
مِنْ أَخْلاقِ الإِمَامِ مُوْسَى الصدْر
إن الإنسان الذي يؤمن بالأديان ويحترم الإنسان رجلاً وامرأة وصغيراً وكبيراً وغنياً وفقيراً على حد سواء فلا شك بأنه ذو أخلاق عالية ومزايا سامية وصفات كريمة.
ويمكن القول بأن الإمام موسى الصدر قد اقتدى بأخلاق جده الرسول(ص) وعمل بمقتضى القرآن الكريم الذي يأمر بالسلوك الحسن وتحسين الأخلاق مبيّناً مساوئ الأخلاق الذميمة وأنها السبب الأكبر في بُعد الناس ونفورهم عن صاحبها، قال تعالى(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) وقال عز وجل(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)
فانطلاقاً من هذه المفاهيم القرآنية والصفات المحمدية انطلق الإمام الصدر في مسيرته التي لقيت القبول والترحيب والتعظيم ممن فهموا واقع الإمام وأدركوا أهدافه وفهموا ما يريد القيام به.
لقد نقل الذين عاصروا الإمام الصدر كثيراً مما رأوا من أخلاقه الكريمة وطريقته العذبة في التعاطي مع الناس حتى أصبح المثل الأعلى لرجل الدين، ولا شك بأن الذين نقلوا عنه تلك المزايا لم يروا كل شيء في الإمام لأنهم لم يعيشوا معه أربعة وعشرين ساعة يومياً ولم يتدخّلوا في خصوصياته التي كانت شبيهة بعمومياته من حيث المبدأ والمسلك، فقد حُكي عن الإمام الصدر أن طريقته في التعامل الأخلاقي كانت واحدة في الحضر والسفر وفي البيت وفي المجتمع وفي الحرب وفي السلم مما يدل على قوة تماسكه وتمسّكه بالعقيدة والمبدأ، فمزاياه كثيرة، وأخلاقه عظيمة وكثيرة، وإليكم جزءاً صغيراً من سلوكياته التي إن دلّت على شيء فإنما تدل على مدى إيمانه بالله وخوفه منه وحبه للبشر واحترامه للإنسان.
- كان يرد السيئة بالحسنة والشر بالخير والباطل بالحق والكلام البذيء بكلام نبوي كريم، وهو بذلك يطبّق قول الله تعالى(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) وقد وجد الإمام بأن هذه الطريقة هي الطريقة المؤثّرة والفعّالة في بناء المجتمع الصالح.
- لم يخاطب أحداً من كوادره أو عناصره إلا بلفظ(الأخ) أو(الأخ الكريم) أو(المجاهد) وما شاكلها من عبارات ليقة وأدبية لأنه كان يرى نفسه أصغر من المخاطَبين مع أنه في الواقع أكبر منهم جميعاً ولكن تواضعه المميز كان يفرض عليه مثل هذا الشعور الذي من شأنه أن يدفع بالإنسان نحو التصحيح أكثر والمراقبة للأخطاء ومحاسبة النفس.
- كان يرفض المدح له أو وصفه بما لا يراه في نفسه، وكان يخجل من محبيه عندما يتخاطبون معه بطريقتهم المعلومة حيث كان يرى بأنه الخادم لهم وأن جهوده أثمرت بصمودهم وصبرهم وأنه لا فضل له في كل ما قام به وإنما كان يرى بأن الفضل يعود للشعب الذين لولاهم لما كان ما كان.
- كان يعاتب سائق سيارته إذا تجاوز السيارات الأخرى لأنه كان يرى في نفسه أنه مواطن كغيره من المواطنين فكان يرفض وجود أي تمايز بينه وبينهم.
- كان يرفض أن تسير أمامه أو خلفه سيارة مرافقة وذلك لثقته بالله تعالى وأن الله عز وجل هو الذي يدافع عن الذين آمنوا به وتوكلوا عليه.
- كان كثير المشاركات في الأفراح والأحزان والزيارات العادية فلم يميّز طبقة عن طبقة أخرى، ولم يداهن الغني من أجل مصلحة بل كان يتعامل مع الفقير بطريقة أفضل من طريقة تعامله مع الغني حتى لا يُشعر الفقير بأنه حرف ناقص في المجتمع، وهو بذلك يحذو حذو جده أمير المؤمنين(ع) الذي كان يقول” إِنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ، كَيْلاَ يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ”
- شكى له أحد المواطنين المسيحيين عدم قدوم المسلمين في صور إلى دكانه وعدم الشراء منه لإحدى السلع الثانوية فذهب الإمام الصدر من بيروت إلى صور وأكل من دكان هذا المواطن ليوصل رسالة دينية وإنسانية إلى المسلمين جميعاً وقد وصلت تلك الرسالة كما أراد الإمام وعاود أهل صور الشراء من عند هذا المواطن.
- في أزمة الماء والطحين كان إذا أتاه شيء منهما يرسله إلى العوائل الفقيرة التي لا تقدر على الحصول عليهما.
- كان يقبل النقاش والإنتقاد مهما كانت وتيرته عالية ومشنجة من الطرف الآخر، ولكن الإمام كان يصبر عليه ويحاول إقناعه، وكان لا يترك الإجتماع إلا بعد إقناع الطرف الآخر بالدليل والأسلوب الرائع الذي امتاز به عن غيره من أقرانه.
- اختُطف الإمام ولم يكن لعائلته منزل أو قطعة أرض خاصة أو وديعة في بنك من البنوك لأن كل ما كان يحصل عليه كان يضعه باسم الطائفة.
- كان يرفض أي مظهر من مظاهر الزعامات حيث كان يرفض فكرة أن يُقال عنه زعيم الفئة المعيّنة.
- كان إذا تأخر عن أي موعد من ارتباطاته فإنه كان يبدأ قبل أي شيء بتقديم الإعتذار وأن هذا التأخير كان خارجاً عن إرادته.
- لم يكن يرفض استقبال أحد من الناس كائناً من كان بل كان يستمع إليهم ولا يتأفف منهم.
- رفض فكرة التسول وقضى عليها في مدينة صور لأنه كان يكره أن يرى الإنسان بهذا المستوى، فلم يرفض هذا السلوك ولم يُلغه إلا بعد أن أمّن لهم البدائل المناسبة.
- حكى لي بعض كوادر الحركة أنه في البداية وفي أيام الشباب كانوا يجتمعون بالإمام الصدر لدراسة بعض القضايا، وكان إذا حلّ وقت الصلاة اعتذر منهم لدقائق حتى يصلي ثم يأتي ويتابع حديثه معهم من دون أن يقول لهذا أو ذاك لماذا لم تصلّ، وكان هذا الأسلوب موعظة بليغة لهم قد أثّر فيهم أكثر مما لودعاهم الإمام إلى الصلاة لأنه لو دعاهم إليها لصلوا من أجل إرضائه وليس من أجل أن الصلاة فرضٌ واجب، ولهذا في الإجتماع الثاني وعندما حلّ وقت الصلاة قام كوادر الحركة إليها قبل الإمام الصدر وقد بدت ملامح السرور العميق على وجهه الكريم.
- كان يدعم مؤسسات غير إسلامية كما كان يدعم المؤسسات الإسلامية، وقد كان في هذا الدعم رسالة إلى الجميع مضمونها أن الإسلام الحنيف يأمر بالوقوف إلى جانب الناس من دون النظر إلى هوياتهم المذهبية، وأظن بأن الإمام الصدر في هذا السلوك يترجم ما قام به من قبلُ جده أمير المؤمنين علي(ع) عندما تصدق على رجل نصراني فتعجب هذا النصراني من هذا السلوك الكريم وأسلم على إثر تلك الحادثة، وهذا ما قام به الإمام الصدر، ولأجل ذلك تجد بأن شعبيته من المسيحين كبيرة جداً.
وهناك عشرات المواقف التي تبين لنا أخلاق الإمام الصدر التي شابهت أخلاق الأنبياء والأولياء.
الشيخ علي فقيه



