فقه

قواطع السفر

الأحكام الشرعية

 

 

قواطع السفر

و هي أمور :

الأول : الوطن ، فإن المسافر إذا مر به في سفره و نزل فيه وجب عليه الإتمام ما لم ينشئ سفراً جديداً، و أما المرور اجتيازاً من غير نزول ففي كونه قاطعاً إشكال ، و المقصود بالوطن أحد المواضع الثلاثة :

1 ـ مقره الأصلي الذي ينسب إليه و يكون مسكن أبويه و مسقط رأسه عادة .
2 ـ المكان الذي اتخذه مقراً و مسكناً لنفسه بحيث يريد أن يبقى فيه بقية عمره .
3 ـ المكان الذي اتخذه مقراً لفترة طويلة بحيث لا يصدق عليه أنه مسافر فيه و يراه العرف مقرا له حتى إذا اتخذ مسكناً موقتاً في مكان آخر لمدة عشرة أيام أو نحوها ، و لا يعتبر في الأقسام الثلاثة أن يكون للشخص ملك فيه ، بل لا يعتبر إباحة المسكن فلو غصب داراً في بلد و أراد السكنى فيها بقية عمره مثلاً يصير وطناً له.

يجوز أن يكون للإنسان وطنان كما لو اتخذ على نحو الدوام و الاستمرار مسكنين لنفسه ، فيقيم في كل سنة بعضاً منها في هذا، وبعضها الآخر في الآخر ، و كذا يجوز أن يكون له أكثر من وطنين.

الظاهر أنه لا يكفي في ترتيب أحكام الوطن مجرد نية التوطن ، بل لابد من الإقامة بمقدار يصدق معها عرفاً أن البلد وطنه و مقره.

ذكر بعض الفقهاء نحواً آخر من الوطن يسمى بالوطن الشرعي و يقصد به المكان الذي يملك فيه الإنسان منزلاً قد استوطنه ستة أشهر ، بأن أقام فيها ستة أشهر عن قصد و نية فقالوا : إنه يتم الصلاة فيه كلما دخله . و لكن الأظهر عدم ثبوت هذا النحو.

يكفي في صدق الوطن قصد التوطن و لو تبعاً ، كما في الزوجة و الخادم و الأولاد.

يزول حكم الوطن بالخروج معرضاً عن السكنى فيه ، و أما إذا تردد في التوطن في المكان الذي كان وطناً له ففي بقاء الحكم إشكال ، و الأظهر البقاء ، بلا فرق في ذلك بين الوطن الأصلي و الاتخاذي.

تقدم أن من أقسام الوطن المكان الذي يتخذه الشخص مقراً له لفترة طويلة كما هو ديدن المهاجرين إلى النجف الأشرف أو غيره من المعاهد العلمية لطلب العلم قاصدين الرجوع إلى أوطانهم بعد قضاء و طرهم ، فإن هؤلاء يتمون الصلاة في أماكن دراستهم فإذا رجعوا إليها من سفر الزيارة مثلاً أتموا و إن لم يعزموا على الإقامة فيها عشرة أيام ، كما أنه يعتبر في جواز القصر في السفر منها إلى بلد آخر أن تكون المسافة ثمانية فراسخ امتدادية أو تلفيقية ، فلو كانت أقل وجب التمام ، و كذلك ينقطع السفر بالمرور فيها و النزول فيها كما هو الحال في الوطن الأصلي.

 

تنبيه : إذا كان الإنسان وطنه النجف مثلاً ، و كان له محل عمل في الكوفة يخرج إليه وقت العمل كل يوم و يرجع ليلاً ، فإنه لا يصدق عليه عرفاً ـ و هو في محله ـ أنه مسافر ، فإذا خرج من النجف قاصداً محل العمل و بعد الظهر ـ مثلاً ـ يذهب إلى بغداد يجب عليه التمام في ذلك المحل و بعد التعدي من حد الترخص منه يقصر ، و إذا رجع من بغداد إلى النجف و وصل إلى محل عمله أتم ، و كذلك الحكم لأهل الكاظمية إذا كان لهم محل عمل في بغداد و خرجوا منها إليه لعملهم ثم السفر إلى كربلاء مثلاً ، فإنهم يتمون فيه الصلاة ذهاباً و إياباً إذا نزلوا فيه.

الثاني : العزم على الإقامة عشرة أيام متوالية في مكان واحد أو العلم ببقائه المدة المذكورة فيه و إن لم يكن باختياره ، و الليالي المتوسطة داخلة بخلاف الأولى و الأخيرة ، و يكفي تلفيق اليوم المنكسر من يوم آخر فإذا نوى الإقامة من زوال أول يوم إلى زوال اليوم الحادي عشر وجب التمام ، و الظاهر أن مبدأ اليوم طلوع الفجر ، فإذا نوى الإقامة من طلوع الشمس فلا بد من نيتها إلى طلوعها من اليوم الحادي عشر.

يشترط وحدة محل الإقامة ، فإذا قصد الإقامة عشرة أيام في النجف الأشرف و مسجد الكوفة مثلاً بقي على القصر ، نعم لا يشترط قصد عدم الخروج عن سور البلد ، بل إذا قصد الخروج إلى ما يتعلق بالبلد من الأمكنة مثل بساتينه و مزارعه و مقبرته و مائه و نحو ذلك من الأمكنة التي يتعارف وصول أهل البلد إليها من جهة كونهم أهل ذلك البلد لم يقدح في صدق الإقامة فيها ، و أما من قصد الخروج إلى حد الترخص ، أو ما يزيد عليه إلى ما دون المسافة ـ كما إذا قصد الإقامة في النجف الأشرف مع قصد الخروج إلى مسجد الكوفة أو السهلة ـ فالأظهر أنه لا يضر بقصد الإقامة إذا لم يكن زمان الخروج مستوعباً للنهار أو كالمستوعب له كما لو قصد الخروج بعد الزوال و الرجوع ساعة بعد الغروب ، و لكن يشترط عدم تكرره بحد يصدق معه الإقامة في أزيد من مكان واحد.

إذا قصد الإقامة إلى ورود المسافرين ، أو انقضاء الحاجة أو نحو ذلك ، وجب القصر و إن اتفق حصوله بعد عشرة أيام ، و كذا إذا نوى الإقامة إلى يوم الجمعة الثانية ـ مثلا ـ و كان عشرة أيام و لكنه لم يعلم بذلك من الأول فإنه يجب عليه القصر على الأظهر ، فلا فرق في وجوب القصر مع التردد في إقامة عشرة أيام بين أن يكون ذلك لأجل تردد زمان النية بين سابق و لاحق ، و بين أن يكون لأجل الجهل بالآخر ، كما إذا نوى المسافر الإقامة من اليوم الواحد و العشرين إلى آخر الشهر و تردد الشهر بين الناقص و التام ثم انكشف كماله فإنه يجب القصر في كلتا الصورتين.

تجوز الإقامة في البرية ، و حينئذ يجب أن ينوي عدم الوصول إلى ما لا يعتاد الوصول إليه من الأمكنة البعيدة ، إلا إذا كان زمان الخروج قليلاً ، كما تقدم.

إذا عدل ناوي الإقامة عشرة أيام عن قصد الإقامة ، فإن كان قد صلى فريضة أدائية تماماً بقي على الإتمام إلى أن يسافر ، و إلا رجع إلى القصر ، سواء لم يصل أصلاً أم صلى مثل الصبح و المغرب ، أو شرع في الرباعية و لم يتمها و لو كان في ركوع الثالثة ، و سواء أ فعل ما لا يجوز فعله للمسافر من النوافل و الصوم ، أو لم يفعل.

إذا صلى بعد نية الإقامة فريضة أدائية تماماً مع الغفلة عن إقامته بالكلية ثم عدل ففي كفايته في البقاء على التمام إشكال فلا يترك الاحتياط بالجمع بين القصر و الإتمام بعد العدول ، و كذلك الحال لو صلاها تماماً لشرف البقعة غافلاً عن نية إقامته ، و إذا فاتته الصلاة بعد نية الإقامة فقضاها خارج الوقت تماماً ثم عدل عن إقامته رجع إلى القصر.

إذا تمت مدة الإقامة لم يحتج في البقاء على التمام إلى إقامة جديدة ، بل يبقى على التمام إلى أن يسافر و إن لم يصل في مدة الإقامة فريضة تماماً.

لا يشترط في تحقق الإقامة كونه مكلفاً ، فلو نوى الإقامة و هو غير بالغ ثم بلغ في أثناء العشرة وجب عليه التمام في بقية الأيام و قبل البلوغ أيضاً يصلي تماماً ، و إذا نواها و هو مجنون و كان تحقق القصد منه ممكناً ، أو نواها حال الإفاقة ثم جن يصلي تماماً بعد الإفاقة في بقية العشرة ، و كذا إذا كانت حائضاً حال النية فإنها تصلي ما بقي بعد الظهر من العشرة تماماً ، بل إذا كانت حائضاً تمام العشرة يجب عليها التمام ما لم تنشئ سفرا.

إذا صلى تماماً ، ثم عدل لكن تبين بطلان صلاته رجع إلى القصر ، و إذا صلى الظهر قصراً ثم نوى الإقامة فصلى العصر تماماً ثم تبين له بطلان إحدى الصلاتين فإنه يرجع إلى القصر ، و يرتفع حكم الإقامة ، و إذا صلى بنية التمام ، و بعد السلام شك في أنه سلم على الأربع أو الاثنتين أو الثلاث كفى في البقاء على حكم التمام إذا عدل عن الإقامة بعد الصلاة ، و كذا يكفي في البقاء على حكم التمام إذا عدل عن الإقامة بعد الصلاة ، و كذا يكفي في البقاء على حكم التمام إذا عدل عن الإقامة بعد السلام الواجب ، و قبل الإتيان بسجود السهو ، أو قبل قضاء السجدة المنسية ، و لا يترك الاحتياط فيما إذا عدل بعد السلام الأول و قبل السلام الأخير أو قبل الإتيان بصلاة الاحتياط.

إذا استقرت الإقامة و لو بالصلاة تماماً ، فبدا للمقيم الخروج إلى ما دون المسافة ، فإن كان ناوياً للإقامة في المقصد ، أو في محل الإقامة ، أو في غيرهما بقي على التمام ، حتى يسافر من محل الإقامة الثانية ، و إن كان ناوياً الرجوع إلى محل الإقامة و السفر منه قبل العشرة أتم في الذهاب و المقصد ، و أما في الإياب و محل الإقامة فالأحوط الأولى الجمع بين القصر و التمام فيهما و إن كان الأظهر جواز الاقتصار على التمام حتى يسافر من محل الإقامة ، نعم إذا كان ناوياً السفر من مقصده و كان رجوعه إلى محل إقامته من جهة وقوعه في طريقه قصر في إيابه و محل إقامته أيضاً.

إذا دخل في الصلاة بنية القصر ، فنوى الإقامة في الأثناء أكملها تماماً ، و إذا نوى الإقامة فشرع في الصلاة بنية التمام فعدل في الأثناء ، فإن كان قبل الدخول في ركوع الثالثة أتمها قصراً ، و إن كان بعده جاز له قطعها و أتى بها قصراً.

إذا عدل عن نية الإقامة ، و شك في أن عدوله كان بعد الصلاة تماماً ليبقى على التمام أم لا بنى على عدمها فيرجع إلى القصر.

إذا عزم على الإقامة فنوى الصوم ، و عدل بعد الزوال قبل أن يصلي تماماً ففي صحته إشكال فالأحوط إتمامه ثم قضاؤه ، و أما الصلاة فيجب فيها القصر ، كما سبق.

الثالث : أن يقيم في مكان واحد ثلاثين يوماً من دون عزم على الإقامة عشرة أيام ، سواء عزم على إقامة تسعة أو أقل أم بقي متردداً فإنه يجب عليه القصر إلى نهاية الثلاثين ، و بعدها يجب عليه التمام إلى أن يسافر سفراً جديداً.

المتردد في الأمكنة المتعددة يقصر و إن بلغت المدة ثلاثين يوماً.

إذا خرج المقيم المتردد إلى ما دون المسافة جرى عليه حكم المقيم عشرة أيام إذا خرج إليه ، فيجري فيه ما ذكرناه فيه.

إذا تردد في مكان تسعة و عشرين يوماً ، ثم انتقل إلى مكان آخر ، و أقام فيه ـ متردداً ـ تسعة و عشرين ، و هكذا بقي على القصر في الجميع إلى أن ينوي الإقامة في مكان واحد عشرة أيام ، أو يبقى في مكان واحد ثلاثين يوماً متردداً، ويكفي تلفيق اليوم المنكسر من يوم آخر هنا ، كما تقدم في الإقامة.

في كفاية الشهر الهلالي إذا نقص عن الثلاثين يوماً إشكال ، بل الأظهر عدم الكفاية.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى