
حب المؤمنين لله تعالى
إن الله عز وجل يحب عباده المؤمنين، وعلى المؤمنين أن يحبوا ربهم حباً صادقاً وخالصاً لوجهه الكريم بمعنى أن يخرج حبهم لله عن دائرة الشعور إلى مرحلة التطبيق لأن الحب لا يكون صادقاً إلا إذا ترجمه صاحبه بالعمل وذلك على قاعدة إن المحب لمن أحب مطيع، فعلينا أن نحب الله عملياً كما يحبنا هو عملياً، فحب الإنسان ينبع من القلب وتصدّقه الأعمال في عالَم الخارج، أما حب الله تعالى فلا ينبع بنفس الطريقة عند الإنسان لأن الخالق غير المخلوق فلا يصح أن نقول إن حب الله ينبع من قلبه لأنه لا قلب له كالإنسان وإنما نقول إن حبه لعباده ينبع من ذاته المقدسة وهذا الحب نفسه هو ترجمة عملية لأنه تعالى يعبّر عن حبه لعبده بإدخاله الجنة خالداً فيها وإن كان مجرد الحب منه رحمة وعظمة وشيئاً جميلاً فإن حبه لعبده أعظم في نفس العبد من الجنة وما فيها لأن حب الله له يؤنسه أكثر مما يؤنسه النعيم في الجنان.
وقد وردت آيات كثيرة تدعو إلى حب الله وعدم تفضل شيء عن حبه لأن حبه ينفعنا في جميع مراحلنا، أما حب غيره فإنه إن كان نافعاً لنا فسيكون نفعه مؤقتاً ومحدوداً، قال تعالى في سورة التوبة(قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) وفي سورة البقرة(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) فمن خلال هذا التوبيخ الوارد في الكتاب العزيز يجب أن يفهم الإنسان ضرورة حبه لله تعالى لأن الخير كله يكمن خلف حب العبد لربه وحب الرب لعبده، وهناك مجموعة كبيرة من الأحاديث الواردة عن النبي وآله تحث على مزاولة الحب لله عز وجل، قال(ص) أحبوا الله من كل قلوبكم: وقال: من آثر محبة الله على محبة نفسه كفاه الله مؤونة الناس: وقال: اللهم اجعل حبك أحب الأشياء إليّ واجعل خشيتك أخوف الأشياء عندي واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك: وقال: اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك والعملَ الذي يُبلّغني حبَّك اللهم اجعل حبك أحبّض إليّ من نفسي وأهلي ومن الماء البارد:
وقال الحسين في دعائه: أنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك حتى لم يحبوا سواك:
وقال السجاد: إلهي لو قرنتني بالأصفاد ومنعتني سيبك من بين الأشهاد… ما قطعت رجائي منك ولا صرفت وجه تأميلي للعفو عنك ولا خرج حبك من قلبي: وقال: اللهم إني أسألك أن تملأ قلبي حباً لك:
وقال الصادق: القلب حَرَم الله فلا تُسكِن حرمَ الله غيرَ الله: وقال: لا يَمحَضُ رجلٌ الإيمان بالله حتى يكون الله أحب إليه من نفسه وأبيه وأمه ووُلْدِه وأهله وماله ومن الناس كلهم:
ما يوجِب حبَّ الله تعالى
لا شك بأن هناك أعمالاً إذا قام بها الإنسان كان حبيباً لله تعالى في مقابل أعمال إذا فعلها كان مبغوضاً عنده، وهذه الأمور التي توجب حب الله عز وجل ليست بعيدة عنا ولا غريبة منّا، بل هي في متناول يد كل واحد من الناس، فهي مقدور عليها وربما تكون في غاية من السهولة وهي أسهل مما نتصور إذا كان الإنسان طالباً حب الله له فهذا سوف يجد العمل الشاق سهلاً أمام ما ينتج له من حب الله له، وهذا عيسى بن مريم يبيّن لنا سلوكاً نستجلب به محبة الله سبحانه وذلك عندما سئل عن عمل يورث محبة الله فقال: أبغضوا الدنيا يُحبِبْكم الله: وقد جاء في حديث المعراج: يا محمد.. وجبَتْ محبتي للمتحابين فيَّ ووجبت محبتي للمتعاطفين فيَّ ووجبت محبتي للمتواصلين فيَّ ووجبت محبتي للمتوكلين عليّ: وأعظم أنواع التحبب إلى الله عز وجل هو أن تأتي بما فرضه عليك خوفاً من عقابه ورجاءاً لثوابه لقول الصادق: قال الله تبارك وتعالى ما تَحبب إليّ عبدي بأحبَّ مما افترضتُ عليه: فقبل أن تعبّر عن حبك لربك بفعل المستحبات وجب عليك أن تعبّر له عن حبك بفعل الواجبات لأن الواجبات هي الركيزة التي تقوم عليه المستحبات، والواجبات والمستحبات ما هي سوى تعبير من العبد عن حبه لربه الذي هو غني عن عبادات العابدين وآمن من معاصيهم أجمعين فلا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة بل الإنسان هو الذي يتأثر بالطاعة إيجابياً وبالعصية سلبياً فإذا أطاع انتفع وإذا عصى تضرّر.
ومن تلك الأمور التي تستوجب محبة الله للعبد الحِلم لأن الحلم صفة من صفات الله عز وجل فإذا غضب المؤمن ثم حلِم عمّن أغضبه فقد استوجب بهذا السلوك حب الله تعالى لقول الرسول(ص) وجَبَتْ محبة الله على مَن أُغضِب فحَلِم: وكذا ذِكر الموت فإنه من موجبات المحبة الإلهية لقوله(ص) من أكثر ذكر الموت أحبه الله: فإذا أحب الإنسان ما أحبه الله ورسوله أحبه الله ورسوله وهذا ما أجاب به الرسول أحد السائلين حيث قال للرسول: أُحب أن أكون من أحباء الله ورسوله فقال له الرسول: أَحِبَّ ما أحب الله ورسوله وأبغض ما أبغض اللهُ ورسوله:
وقال الصادق: إذا تخلى المؤمن من الدنيا سَمَا ووجد حلاوة حب الله وكان عند أهل الدنيا كأنه قد خولط وإنما خالط القومَ حلاوة حب الله فلم يشتغلوا بغيره:
وقال: طلبْتُ حب الله عز وجل فوجدته في بغض أهل المعاصي….توضيح.
أشخاص يحبهم الله تعالى
ما أروع أن يعيش المرء في ظل حب الله عز وجل، وما أجمل أن يسير في الحياة وهو من أهل محبة الله وكرامته، فنفس هذا الشعور يُشعِر المؤمن بأنه يتنعّم في الجنة وإن كان محاطاً ببلاءات عديدة من مصائب الدنيا لأن حبه لله وحب الله له يهوّن عليه كل المصائب ويخفف عنه آلام المحن بحيث لا يشعر مع هذا الشعور بالألم، وعلى كل عاقل طالبٍ للرحمة أن يعمل الأعمال التي تجلب له حب ربه إليه ليكون في الآخرة من السعداء مع الأنبياء والأولياء.
لقد حدّثنا القرآن الكريم عن الذين نالوا محبة الله لنكون منهم عندما نعمل عملهم ونسلك نهجهم، فالإحسان إلى النفس وإلى الآخرين أحد عوامل الحصول على حب الله لقوله تعالى في سورة البقرة(وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) وكذلك يحب الله أهل التوبة وأهل الطهارة من دنس العيوب والذنوب، قال تعالى(إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) وكذا المتقون الذين هم أحباب الله الذي أخبرهم بذلك عبر قوله الكريم(بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) وفي سورة آل عمران(والله يحب الصابرين) وفي نفس السورة(فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) وفي سورة المائدة(وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) وقال في سورة الصف(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ) وهناك العديد من النماذج القرآنية الواردة في بيان هوية الذين نالوا حب الله عز وجل، وهناك كثير من تلك النماذج بينها الرسول وآله(ص) فقد قال رسول الله: إن الله يحب الحَيِيّ الحليم العفيف المتعفف: وقال: ثلاثة يحبهم الله عز وجل رجل قام من الليل يتلو كتاب الله ورجل تصدق صدقة بيمينه يخفيها عن شماله ورجل كان في سَرِيّة فانهزم أصحابه فاستقبل العدو: وقال السجاد: إن الله يحب كل قلبٍ حزين ويحب كل عبد شكور:
أشخاص لا يحبهم الله عز وجل
من الناس من استوجب حب الله بسبب طاعته الخالصة وعمله الصالح وخوفه من الله ورجاء ثوابه، وهم يمثّلون القلة القليلة في المجتمع البشري حيث لم يشهد التاريخ يوماً أن أهل الصلاح تجاوز عددهم عدد أهل الضلال والإنحراف بل كان عدد أهل الكفر والفسق أكثر بكثير مما يتصوره العادّون، ولذا نجد النماذج التي بغضها الله عز وجل أكثر من التي يحبها، فمنهم الذين يعتدون على الناس فيقاتلونهم ويظلمونهم بشتى أنواع الظلم من غير حق ولا عذر، وقد صرّح القرآن الكريم بعدم حب الله للمعتدين، وهذا التصريح بعدم الحب يعني العذاب الدائم، قال تعالى(وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ) وكذلك المفسدون الذين أبغضهم الله وأبعدهم عن ساحة رحمته لأنهم أطاعوا الأهواء فضَلّوا وأضلّوا وأكثروا الفساد ونشروه بين الناس ومن الطبيعي أن يكرههم الله ويحرمهم من محبته، قال تعال(وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) وكذا الحكم لكل كفّار وكل أثيم مصر على إثمه فلقد قال سبحانه(وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) وأما الكافرون الذين أرسل الله لهم الأنبياء فأنكروا الرسالات وكذّبوا المعجزات التي لا تُنكر فهؤلاء لهم الحظ الأكبر من بغض الله لهم وغضبه عليهم فقد قال سبحانه(قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) ونفس هذا الحكم يجري على الظالمين فإن الظلم مقبوح عند الله وأقبح من الظلم من عمل به قال تعالى(وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) وقال تعالى(إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا) وقال(وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) وقال(وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)
أحب الناس إلى الله
مرة نقول هذا يحبه الله، وأخرى نقول هذا من أحب الناس إلى الله، ومرة هذا يبغضه الله ومرة أخرى هذا من أبغض الناس إلى الله عز وجل، والسبب في هذا التفاوت أو في هذه الدرجات هو أعمال وصفات تتوفر لدى الإنسان هي التي تجعله من أحب الناس إلى ربه أو من أبغض الناس إليه، وقد تضافرت الأحاديث عن أهل بيت العصمة حول بيان من هم أحب الخلق إلى الله من باب بيان هذه الحقيقة والحث على التزام ما التزمه هؤلاء لنصبح مثلهم وفي مكانتهم عن الله تبارك وتعالى، والأعمال التي يستحق عليها الإنسان هذه المنزلة كثيرة:
منها: إعانة الفقراء من المؤمنين فإذا أعنتهم كنت عند الله مميزاً ومكرَّماً لأن قضاء حوائج المؤمنين من أعظم القربات إلى الله عز وجل، وكذا دفع المكروه والأذى عن المؤمنين بمعنى أن تكون ناصراً لهم، وناصر أهل الإيمان ناصرٌ لله وقد آلى الله على نفسه أن ينصر من ينصره، وهذان النموذجان ذكرهما الإمام الصادق(ع) بقوله: ألا وإن أحب المؤمنين إلى الله من أعان المؤمن الفقير من الفقر في دنياه ومعاشه ومن أعان ونفع ودفع المكروه عن المؤمنين: وهنا يجب أن نميز بين إعانة المؤمن وإعانة غيره فإن هذه الرتبة السامية مجعولة لمن أعان المؤمنين من الناس وإن كان العون صفة جميلة بشكل عام.
ومنها: نفع الناس، فإذا تحوّل الإنسان إلى أداة نفع للناس فليستبشر بالسعادة الأبدية لأن الله تعالى يحب أهل المنفعة فقد قال(ص) أحب عباد الله إلى الله أنفعهم لعباده وأقومهم بحقه:
ومنها: الصدق في الحديث سواء كان نقلاً أو إنشاءاً لأن الصدق من صفات المؤمنين الحائزين على حب الله جل وعلا، ومنها: المحافظة على الواجبات التي فرضها الله علينا، ومنها: أداء الأمانة، قال الصادق: أحب العباد إلى الله عز وجل رجل صدوق في حديثه محافظ على صلاته وما افترض الله عليه مع أداء الأمانة.
ومن الأمور التي تجعل الإنسان من أحب الناس إلى الله كثرة ذكر الله وارتداء ثوب التقوى لأنه أطهر لباس وأنزه رداء يرتديه الإنسان في الحياة الدنيا، قال(ص) إن أحبكم إلى الله جل ثناؤه أكثركم ذكراً له، وأكرمَكم عند الله عز وجل أتقاكم له: وهذا هو معنى قوله تعالى(إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ومنها الشعور بالخوف من الله تعالى لقول علي: إن من أحبِ عباد الله إليه عبداً أعانه الله على نفسه فاستشعر الحزن وتجلبب الخوف فزَهَرَ مصباح الهدى في قلبه:
ومنها ما ذكره النبي بقوله: أحب المؤمنين إلى الله من نَصَبَ نفسه في طاعة الله ونصح لأمة نبيّه وتفكّر في عيوبه وأبصرَ وعَقَلَ وعَمِل:
الشيخ علي فقيه



