
يتصل هذا البحث بالبحث الماضي لأن فيه إتماماً للفكرة وإكمالاً لبيان ما أردنا بيانه هناك، ففي البحث الماضي تمحور الكلام حول الإستعداد للموت وكيفية الإستعداد له، وفي هذا البحث نلقي الضوء على كيفية التأهب المطلوب تجاه أعظم حدث لدى الناس، وهو الموت.
أيها الإنسان العاقل.. هناك أمور كثيرة في حياتك اليومية تتأهب لها وتستعد لاستقبالها أو القيام بها، فكما تجهز نفسك لاستقبال شخص عزيز على قلبك، وكما تنتظر ورود خبر هام بالنسبة إليك وأنت لا تدري أسيصل العزيز أم سيرد الخبر السعيد، فعليك أن تكون أشد استعداداً وأكثر تأهباً لاستقبال مقبِل حتمي الوصول وقطعي الحلول سواء دعوتَه أم لم تدْعُه أو انتظرته أو لم تعره اهتمامك، وهو الموت الذي لا يفر منه هاربه ولا ينجو من شباكه كارهه مهما كانت الأحوال والظروف.
إن التأهب للموت يجعلك أكثر عملاً وأشد حذراً من الوقوع في الأخطاء التي تلازمك تبعاتها في قبرك وبرزخك ومحشرك.
لقد حث القرآن في غير آية على عملية التأهب للموت والإستعداد لمواجهة ما يأتي بعده عبر العمل الصالح الذي ينجو معه فاعله كقوله تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ) وقوله(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)
يوجد في هذه الآيات العديد من الرسائل للبشر، رسائل تزرع في قلوبنا حب لقاء الله تعالى، ورسائل تحذرنا من التمادي في العصيان.
وها هو إمامنا ومولانا سيد الساجدين وزين العابدين(ع) يصور لنا كيف تكون حالتنا عند الموت وفي القبر ويوم الحساب إذا لم نتذخر في دنيانا لآخرتنا حيث يقول: فمن يكون أسوأ حالاً مني إن أنا نُقلت على مثل حالي إلى قبر لم أمهده لرقدتي ولم أفرشه بالعمل الصالح لضجعتي، وما لي لا أبكي ولا أدري إلى ما يكون مصيري وأرى نفسي تخادعني وأيامي تخاتلني وقد خفقت عند رأسي أجنحة الموت فما لي لا أبكي أبكي لخروج نفسي أبكي لظلمة قبري أبكي لضيق لحدي أبكي لسؤال منكر ونكير إياي أبكي لخروجي من قبري عرياناً ذليلاً حاملاً ثقلي على ظهري:
بهذه العبارات القليلة بألفاظها والعميقة بأبعادها يختصر الإمامة مسافات طويلة ويستحضر مجموعة من المفاهيم والعقائد، ويحاول أن يزرع في قلوبنا مخافة ربنا ومحبته، ويعظنا من خلال ذكر الأحوال التي لا ينفعنا فيها سوى العمل ورحمة الله الواسعة.
في ختام البحث الماضي ذكرت كلاماً لأمير المؤمنين(ع) يدعونا فيه إلى التأهب للموت والتذخر ليوم المعاد، ولم أعلق على مضامين كلامه هناك، وهذا ما سأقوم به في هذا البحث، فلقد قال(ع): إن العاقل ينبغي أن يحذر الموت في هذه الدار ويحسن له التأهب قبل أن يصل إلى دار يتمنى فيها الموت فلا يجده:
وفي هذا الكلام العظيم ثلاث محطات يجب التأمل فيها لتكون الفائدة لنا أنفع وأثمر:
المحطة الأولى: أنه(ع) يحث الناس على التفكر بالموت والتأمل بجميع ما يتعلق به حتى يحصل عندهم الحذر من حلوله وهم في حالة يغضب الله لها، وهذا يعني أن الإنسان يجب أن يحرص على أن تكون الخاتمة لحياته حسنة لتكون عقباه كذلك.
المحطة الثانية: وهو أن يحسن المرء تأهبه لهذا الأمر الإلهي العظيم الموت الذي هو من الغيب، والذي يجب تحسينه عبر الطاعة في هذه الدنيا لأنه أمر خطير ومخيف، ولو لم يكن لنا من بعد الحياة من المراحل الأخروية سوى حدث الموت لكان ذلك دافعاً لنا نحو الطاعة وحاجباً لنا عن ركوب الشر والعصيان.
المحطة الثالثة: وهو بيان حقيقة كبرى تختص بيوم الحساب وبالعقاب على وجه الخصوص وهي أن العاصي المستحق للعذاب يتمنى الموت لشدة العذاب فلا يموت لأنه في النار لا يوجد حياة ولا موت بل يوجد عذاب دائم، وإليه يشير تعالى بقوله(وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى)
وفي ذلك الموقف يندم الإنسان حيث لا ينفع الندم، ويتمنى لو أنه كان أحقر مخلوق في هذا الوجود بدل أن يكون إنساناً عاصياً قد أوصله سوؤه إلى هذا الموقف الحرج والعذاب الدائم الذي ليس فيه تخفيف أو هدنة، قال تعالى(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا) وقال سبحانه(إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا)



