المَعْرِفَةُ ضَرُوْرَةٌ مِنْ ضَرُوْرِيَّاتِ الحَيَاة

المَعْرِفَةُ ضَرُوْرَةٌ مِنْ ضَرُوْرِيَّاتِ الحَيَاة
إن الدعوة إلى المعرفة الصحيحة دليل على صدق النية، وربما تكون في بعض الأحيان دليلاً على صحة العقيدة، فالعقيدة التي تحجب المعرفة عن الناس، أو تضعها في إطار ضيّق، ولا تسمح لهم بالتعرف على ما يحيط بهم فلا تكون عقيدة سليمة، لأن الذي يدعو إلى هذا التحجيم وهذا الإنعزال عن المحيط إنما هو الخوف من افتضاح الأمور.
وإننا كمسلمين لا نخشى شيئاً في عقيدتنا، وبمعنى آخر: لا نستحيي من تبيان شيء منها، وإن كان مستغرَباً لدى البعض، لأنها أصح عقيدة ظهرت في ساحة البشر، وإنّ مولانا العظيم سبحانه وتعالى لم يخلق البشرية إلا من أجل المعرفة التي أوجب بعضها علينا، وحبّب إلينا البعض الآخر، حيث جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، ولا يوجد حدَثٌ في هذا الوجود إلا وله حلٌ وعلاج في دين الإسلام، بينما نجد بعض أصحاب العقائد يخفون الكثير منها، ويحرّمون على رعاياهم الكشف عنها لغير أهل ملتهم، ولو سُئل العاقل عن هذا السلوك لأجاب بما يجيب به المنطق السليم.
وأنا أتحدث هنا عن المعرفة بما هي عِلْم، ولست بصدد الحديث عما لا نفع منه من بيان الفرق بين العلم والمعرفة وغير ذلك مما لا ينتفع به الجاهل ولا يتضرر منه العالِم.
والمعارف في الحياة كثيرة ومتنوعة، ولا يمكن لأحد أن يحصيها إلا الله تعالى، ولكن المراد ببحثنا هنا هو التعرف على بعض أنواع المعارف الخاصة التي تتناسب مع مضمون هذا الكتاب، وعليه نقول: يجب أن تحصل المعرفة لعدة أمور:
الأمر الأول: معرفة الجهة التي نعمل لها ونتوجه إليها في عباداتنا، وهو الله رب العالمين الذي خلقنا ليُعرّفنا على ذاته وصفاته، وإن لهذه المعرفة أثراً على قلب الإنسان وسلوكه، فهي التي تحركه نحو تصحيح الإيمان وتثبيته بالشكل الذي يجب أن يكون عليه، فمعرفة الله تعالى هي أساس المعارف في الوجود، وبهذه المعرفة يمكن لأهل أي عِلمٍ أن يحلّوا العديد من المعضلات العلمية التي تتوقف معرفتها على معرفة الخالق سبحانه وتعالى، ولهذا نجد كثيراً منهم يسطدمون بحواجز لا يمكن كسرها ولا يسهل تجاوزها إلا عن طريق معرفة الأصل لها، وأصل الأصول هو الله تبارك وتعالى.
فمعرفة الله عز وجل ضرورية في جميع المجالات العلمية والعبادية، وإن لهذه المعرفة أثراً مباشراً على كلا هذين النوعين.
والذي يتكفل ببيان هذه الحقيقة هم علماء الكلام، وقد ملأت كتبهم المكتبات العامة والخاصة منذ مئات السنين، فلم يعد هناك أمرٌ خفي على أحد خصوصاً في عصر التكنولوجيا الباهر الذي تشهده البشرية اليوم مما يعني أن دابر الأعذار أصبح مقطوعاً لأن سهولة الوصول إلى المعرفة حجة كبيرة على الإنسان.
الأمر الثاني: معرفة حقيقة وجوهر العمل الذي نتقرب به إلى تلك الجهة الخاصة، بمعنى أن نعرف حقيقة كل كلمة نلفظها، وجوهر كل عمل نأتي به إذ لا يُعقل أن نقول أو نفعل ما نجهل فيصبح ذلك لغواً حقيقياً، والله تعالى يريد أن ينزهنا عن اللغو.
الأمر الثالث: معرفة الهدف من القيام بهذا العمل أو ذاك.
الأمر الرابع: معرفة شيء عن المفهوم الذي نخصص البحث له، كمفهوم الدعاء الذي ننوي بيان حقيقته وآدابه وآثاره في هذه البحوث المختصرة.



