محاضرات

مشروعية الطلاق ودوره في تقويم السلوك

مشروعية الطلاق ودوره في تقويم السلوك

لقد أصبح الطلاق في زماننا الحالي موضع نقاش وربما موضع نزاع بين الأطراف المختلفة في سياساتها وتوجهاتها الدينية والطائفية والعلمية حيث ظهر من بين الناس أشخاص همهم الطعن في أحكام الله عز وجل بهدف إثبات بطلان الإسلام الذي جعله الله تعالى رحمة للبشر في الدنيا والآخرة، فهؤلاء يسعون جاهدين للعثور على مغالطة أو تناقض في هذا الدين بين حكم وآخر أو بين عقيدة وأخرى فلم يعثروا على شيء من ذلك ولن يجدوا شيئاً منه لأنه دينٌ محفوظ من قبل الخالق القدير جل وعلا، وعندما لم يجدوا ما يُشينوا به الإسلام لجؤوا إلى استعمال الخُدع الكلامية واللغوية فحرّفوا ما حرّفوا وبدّلوا ما بدلوا ونحن لا ننكر بأنهم استطاعوا الإستحواذ على قلوب بعض البسطاء الذين لم يتمتعوا بقوة العقيدة ولم تستنر قلوبهم بأنوار الإيمان الحقيقي والعلم الصحيح الذي أتى به الرسول الأعظم من عند ربه.
ومن الأمور التي تلقى رواجاً سلبياً بين جميع الأطراف مسألة الطلاق التي أُحكمت أنظمتها بشكل لا يقبل النكران ولا التحريف نتيجة لعدم تَقَبُّل بعض المدعين هذه الفكرة معتبرين أنها وسيلة للتسلط والظلم من قبل الرجال وأن ذلك ينافي المشاعر الإنسانية مع أن الله تعالى أعلم من خلقه بالمصالح والمفاسد وإن رأوا الصلاح في الفساد أو العكس.
فمشروعية الطلاق كمشروعية العقد، هذا يقوم على ركائز وشروط وذاك يقوم على شروط وركائز، وإذا كان هناك ثمة عيب فهو في الناس وفي تطبيقهم لهذا الحكم، وليس في الحكم نفسه، لأنه حكم عادل صادر عن الله عز وجل، وإذا كان هؤلاء يدعون بأنهم يناصرون المرأة ويدافعون عن حقوقها عبر نقض بعض أحكام وقوانين الطلاق فإن الله تعالى هو الذي دافع عنها قبل أن يُصدر هذا الحكم أو ذاك.
وقبل أن نبدأ بالشرح والتفصيل والنقد والتعليق نذكر بعض الآيات الكريمة التي وردت في شأن الطلاق ليكون انطلاقنا بالكلام منها وحولها لأنها تحكي لنا أسس الطلاق، فلقد قال سبحانه في سورة البقرة:
(وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
كانت المرأة قبل الإسلام موضع ظلم الرجال حيث كانوا يعتدون على حرمتها من دون حدود فلم يكن هناك قانون يدافع عنها ويعاقب ظالميها إلى أن جاء الإسلام بحلة من القوانين العادلة التي أعطت الأمل لكل الفتيات والنساء أعطتهن الأمل بالحياة السعيدة المغنورة بالعدالة والمساواة بينها وبين الرجل فيما سنّه الإسلام، وعندما نقول”مساواة” نعني بها المساواة التي جاء بها الأنبياء، ولا نقصد المساواة الظالمة التي يتغنى بها العالَم في هذه الأيام والتي هي في الواقع استغلال للمرأة واستثمار لها باسم المساواة الموهومة التي لا واقع لها ولا أساس، فهل المساواة هي أن تقوم المرأة بدور الرجل ويقوم الرجل بدور المرأة، وهل المساواة هي أن تخرج المرأة من بيتها من دون أن تستأذن زوجها وبالخصوص في هذا الزمان زمان التدهور الإنساني والإجتماعي والأخلاقي والديني؟ فإذا كانت هذه هي المساواة المطلوبة فمن الأفضل أن لا نطالب بها لأنها تدمير للمجتمع وللقيم وللأديان وللحقوق وللأسرة.
إذاً.. كانت المرأة قبل الإسلام مظلومة بشتى أنواع الظلم فلا يحق لها بأن تتكلم أو تعبّر عن رأيها أو عن ظلمها ووجعها لأن المجتمع العربي كان كله ضد المرأة وبمعنى آخر كان عليها ولم يكن لها في يوم من الأيام إلى أن أرسل الله محمداً رحمة للعالمين فأنقذهم مما هم فيه من القتل والظلم والوأد وغيرها من أنواع الظلم.
فلقد سنّ الإسلام الطلاق من أجل الرجل تارة ومن أجل المرأة تارة وأخرى ومن أجلهما ثالثة، لأن الطلاق يعتبَر المخرج لكثير من المآزق والمشاكل التي لم يوجد لها حل غيرُه.
فبعد أن بيّن لنا القرآن سلوكاً سيئاً كان يتعاطاه الرجال ضد النساء قبل الإسلام وهو موضوع الإيلاء ذكر لنا مشروعية الطلاق حتى لا تكون المرأة كالمعلّقة، فلقد كان الرجال يحلفون بالله أن لا يطؤوا الزوجة مدة من الزمن، وهو معنى قوله تعالى(لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) فبعد أن كان الرجل منهم يهجر زوجته ويسافر ويتركها كالمعلقة لا تستطيع أن تتزوج من غيره جاء الإسلام الحنيف ووضع لهم حلاً وهو الطلاق وقد جُعل كما عبّر الرسول(ص) من أبغض أنواع الحلال، فالطلاق كطلاق أمر مشروع أما الحرام فيه فهو ما يترتب عليه من المفاسد والظلم وأكل الحقوق، فالذين يظنون بأن الطلاق ظلم فهم أصحاب ظن واهن لأن الظلم الحقيقي والفعلي قد يكون في تحريم الطلاق، وهذا ما نشاهده عند من يحرمون الطلاق كيف أن مشاكلهم تتفاقم وتزداد سوءاً وتعقيداً، هذا هو الظلم بعينه، الظلم هو أن يهجر الرجل زوجته من دون أن يطلقها، والظلم هو أن تعاشر المرأة غير زوجها سواء كانت مهجورة أو غير مهجورة، وأنا أقول للذين يهاجمون الطلاق أنظروا إلى المستقبل بعين البصيرة فانظروا كيف سيكون حال الزوجين اللذين لا يستطيعان الطلاق، فهؤلاء عندما يمنعون الطلاق فإنهم يحكمون على المرأة في الدرجة الأولى بالإعدام والإنهيار والسجن المؤبد تحت رحمة الزوج الظالم، نحن نقول للجميع من دون استثناء إن الإسلام دين الرحمة ودين الحلول لكل المشاكل العامة والخاصة وقد امتاز الإسلام عن غيره بهذه الخصوصية وتلك الشمولية لحل النزاعات بين الخلق.
نأتي الآن إلى بيان أحكام الطلاق وآدابه التي وردت في كتاب الله عز وجل حيث قال سبحانه(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ)
نستفيد من هذه الآية الكريمة أكثر من حكم ودرس حيث تشير في البداية إلى وجوب العدة على المرأة بعد الطلاق، ولو أننا دققنا في فحوى هذا الحكم لوجدنا فيه الإحترام للبشر وكراماتهم ومشاعرهم وكذا الإحترام لتلك العلاقة المقدسة التي كانت موجودة بين المطلِّق والمطلقة ولعل الله تعالى سنّ العدة وأوجبها من أجل أن يراجع الطرفان حساباتهم بشكل جيد في تلك المدة علهما يرجعان لبعضهما البعض ويتابعان حياتهما بشكل سليم وبالأخص إذا كان لهما أولاد فهذا الحكم ينظر إلى الأسرة بكل معانيها وهو عين الرحمة والعدالة، والإنسان في تلك المدة التي تناهز تسعين يوماً يستطيع أن يدرس وضعه ويراجع حساباته بشكل جيد، وهذا الحكم خاص بالمخول بها إذا لم تكن يائساً أما اليائس وعدم المدخول بها فلا يوجد عندهن تلك الرابطة ولأجل ذلك ليس لطلاقهن عدة فإنه بمجرد طلاقها تبين من الزوج، ونحن هنا لسنا بصدد بيان السبب من صدور الحكم ولا بصدد الكشف عن العلة التي قد تكون في أغلب الأحيان محجوبة عن العباد لحكمة من الله عز وجل ولكننا بصدد الكشف عن نقاط تبين لنا بعض العبر التي يمكن الإستفادة منها في حياتنا.
ففي الإسلام يوجد عدة وفاة وعدة طلاق، أما عدة الوفاة فإنها تُعَد بالأشهر، وأما عدة الطلاق فبالعادة الشهرية لمن كانت عادتها صحيحة وإلا فإنها تُعد بالأشهر.
وأما الفائدة الثانية من الآية الكريمة فهي حكم خاص بالنساء فيجب عليهن أن يُظهرن الحقيقة إن كنّ حوامل أو جاءهم الحيض أو لا لأن كثيرات منهن يكتمن الحقيقة ليلعبن بأعصاب الرجال خصوصاً وأن المعوّل عليها في هذه الأحكام هو قول النساء حيث ورد أن المرأة مصدَّقة على فرجها وأن القول قولها في إثبات مثل هذه الأحكام فلا يؤخذ بقول الرجل لأن الحكم معلّق على حالات تختص بالمرأة فإذا اتفقا على الطلاق فلا يصح إلا إذا سُئلت المرأة ما إذا كانت في الحيض أو في طهرٍ قد واقعها زوجها فيه فلا يصح الطلاق بإخبار الرجل عن تلك الحالات، فالنهي عن إخفاء أمر الحمل أو الحيض في الآية المباركة واضح لا يحتاج إلى تأويل وليس له أكثر من وجه للتفسير حيث قال تعالى(وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) ونلاحظ بأن عقيب هذا النهي يوجد وعيد وتهديد وذلك عبر ذِكر الله لنا اليومَ الآخر الذي سوف يجمع الله فيه الخلق للحساب.
وأما الفائدة الثالثة فهي أن الرجل يحق له أن يرد زوجته المطلّقة رجعياً ما دامت في العدة فيرجعها من دون عقد، وهذا حقٌ مكتسَبٌ للرجل فإنه يستطيع أن يرد الزوجة أثناء العدة متى شاء إذا كان الطلاق رجعياً ولكنه يجب عليه في ذلك أن يخشى الله تعالى وأن يُرجعها إلى عهدته إن كان يريد فعلاً أن يعيش معها حياة كريمة أما إذا كان الهدف من إرجاعها هو إذلالها فإن الله تعالى ينهى الرجال عن مثل هذه النية ويواعدهم العذاب على هذا السلوك لأن الله تعالى تعل عهدة المرأة بيد الرجل كأمانة عنده يجب أن يحافظ عليها بكل الوسائل الممكنة، ولكن كثيراً من الرجال لا يخشون الله تعالى ولا يراعون للزوجات أية حرمة فإنهم يردون النسوة إلى ذمتهن من أجل الإنتقام، ونحن نقول إن هذا الأمر له علاج عبر المحاكم الشرعية والقانون الذي يحمي المرأة ويسترجع لها حقوقها من الرجل ويدافع عنها لأننا لا نعيش في الغابات ولا في العصور الحجرية الرجعية الجاهلية بل نحن نعيش تحت ظل قانون إلهي عادل لا يُظلم به أحد من الناس رجالاً كانوا أو نساءاً فإن الله تعالى عادل يرفض الظلم والجور، وهؤلاء الرجال الذين يظنون أنهم مسلطون على النساء فإن ظنهم في غير محله لأن المرأة المظلومة لها الحق في أن ترفع أمرها للحاكم الشرعي وبعد اكتمال الملف المطلوب يطلقها الحاكم طلاقاً غيابياً بغير رضا الزوج، وهذا من أفضل الحلول المجعولة للزوجة.
وأما الفائدة الرابعة من الآية المذكورة فهي موضوع أن للنساء حق كحق الرجال وهو معنى قوله تعالى(وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) وهنا قد يقع الناس في شبهة من أمرهم فيظنون بأن مسألة الطلاق بيد النساء كما هو بيد الرجال وهو وهم واضح فالرجل له حقوق يعمل بها وحدود يقف عندها والمرأة كذلك، وعليه فقد ذكر الفقهاء والمفسرون أن معنى هذه الآية هو أن حق الرجل على زوجته أن تطيعه وحقها عليه أن ينفق عليها ولا يؤذيها بقول أو فعل.
وأما الفائدة الخامسة فهي أن بعض الرجال يتوهمون في معنى هذه الفقرة فيظنون بأنهم أفضل من النساء وهو معيار بعيد عن العدل لأن المرأة المؤمنة أفضل وأعظم بمراتب من الرجل البعيد عن الله عز وجل وأعظم دليل على ما نقول هو السيدة العظيمة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(ع) التي فضّلها الله على الرجال والنساء وجعلها سيدة الجميع من دون استثناء.
فمعنى أن للرجال عليهن درجة هو أن الطلاق بيد الرجل وقد جعل الله تعالى هذا الحق لحكمة منه عز وجل.
وفي الختام قد يكون الطلاق درساً للطرفين وسبباً في إصلاح حياتهما واستقامتها وتصحيح مواضع الخلل التي أدت إلى الطلاق.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى