العقل والثواب والعقاب

العقل والثواب والعقاب
كل إنسان في هذه الحياة مخيّر بين الطاعة والمعصية، وعندما أطلق الله تعالى هذا التخيير أطلقه لأصحاب العقول، أما فاقدوا هذه القوة سواء كانوا من البشر أو من غير البشر لا يشملهم هذا التخيير القائم على صحة التكليف، فإذا لم يكن الإنسان مكلّفاً لم يكن مخاطباً بتلك الخطابات الإلهية الكثيرة الواردة في القرآن الكريم وعلى ألسنة المعصومين(ع) فلكي يكون الإنسان مشمولاً بهذه الخطابات يجب أن يتوفر عنده أمران: الأول وهو العقل، والثاني وهو التكليف، والسبب في ضرورة تحقق هذين الشرطين هو أن الإنسان قد يكون عاقلاً وغير مكلف كالولد الذي لم يبلغ سن التكليف فهو عاقل ولا يحق لأحد أن ينفي وجود العقل فيه لأنه يفهم الكثير من الأمور ويميز بين الصحيح والفاسد والضار والنافع وهذه كلها مصدرها العقل، ولكن شاءت قدرة الله تعالى ورحمته أن يصبح الإنسان مسؤولاً عن تصرفاته وسلوكياته عندما ينضم إلى العقل سن التكليف لأنهما معاً يؤسسان مورداً للتكليف فإذا فُقد واحد منهما انتفى التكليف من أساسه.
وهنا قد يعترضنا سؤال حول حقيقة القوة العقلية التي ترجع إليها جميع الأمور فيقال طالما أن العقل واحد وهو تلك القوة المميَّزة والمميِّزة فلماذا تفصلون في تحمّل المسؤوليات بين الأشخاص فتقولون هذا يجب عليه لأنه عاقل ومكلف وهذا لا يجب عليه لأنه غير عاقل أو غير مكلّف؟
وهذا في الحقيقة سؤال وجيه ينبغي أن نسلط الضوء عليه لأن معرفته تهوّن علينا التعرف على كثير من الأمور وإدراك العديد من المعارف الغامضة، والعقل أمر معنوي، والإنسان يولد وهو مهيّأ لاستيعاب هذه القوة التي تنمو فيه أو لا تنمو بسبب بعض العوامل الداخلية أو الخارجية، وهذا الولد مع مرور الوقت تنمو بداخله تلك القوة التي خلقها الله لتكون قابلة للتقدم أو التراجع، فالذي يهتم بالتفكير والتأمل والتعلّم يمتلك من قوة العقل أكثر مما يمتلك غيره، وهذا العاقل الفاهم المتعلم لو لم يهتم بتنمية هذه القوة لبقيت ضئيلة على حالها، وهذا من نعم الله تعالى على الإنسان، فلقد ألقى الله الكرة في ملعب الإنسان الذي إذا شاء بلغ العلا في عقله وإذا شاء بقي محدود العقل، هذا كله في الحالات الطبيعية البعيدة عن أي خلل في تكوين الإنسان فقد يولد الإنسان ويوجد خلل في دماغه الذي هو موضع العقل.
وبما أن العقل كذلك كان هو الميزان في موضوع الثواب والعقاب، ولأجل ذلك فإنه تعالى يحاسب الناس على قدر عقولهم، ومن هنا يقول الشاعر، فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم، ويدلنا على هذه الحقيقة الحديث القائل نحن معاشر الأنبياء أُمرنا بأن نخاطب الناس على قدر عقولهم، وهذه هي الطريقة المتّبعة بين العقلاء في عملية التخاطب مع الآخرين، ومن هنا قيل لكل مقام مقال فإن العاقل لا يخاطب الأميين بالفلسفة والقواعد العلمية المعقدة.



