منوعات

الأمانة

الأمانة

قبل الحديث عن أهمية إرجاع الأمانات إلى أصحابها، وقبل الحديث عن ثواب ذلك وكونها من الواجبات المفروضة على البشر يجدر بنا الحديث عن معنى الأمانة وأصلها ليسهل علينا فهم المراد من طرح هذا الموضوع ومعرفة الفكرة التي نريد أن نوصلها إلى الآخرين.
إن للأمانة ثلاثة أركان:
الركن الأول: وهو نفس الأمانة التي تودع في حوزتنا سواء كانت مادية أو معنوية وسواء كانت ملموسة ومحسوسة أو غير ملموسة كالكلام كمن يأتمنك على كلام خاص ويجعله سراً بينك وبينه بل يجعله أمانة عندك يكره أن تخون أمانته أو تزلزل ثقته بك، فالركن الأول للأمانة هو نفس الأمانة التي يجب حفظها بجميع الإمكانيات والطاقات.
الركن الثاني: وهو صاحب الأمانة، فتارة يكون صاحبها هو الخالق سبحانه، وتارة يكون صاحبها أخوك الإنسان، وفي كلتا الحالتين يجب أن تتعامل مع الأمانة بما يفرضه عليك دينك وضميرك ووجدانك فلا ينبغي التفريط بذرة منها، غير أن صاحب الأمانة الأول هو الذي أوجب عليك حفظ الأمانة وهو الله تبارك وتعالى.
الركن الثالث: وهو الأمين أو المتمَن والطرف الآخر فهما محور هذا النظام الإلهي العظيم الذي يمثّل جانباً مهماً من جوانب استمرار الحياة واستقامتها.
وفي بيان أهمية أداء الأمانة وبيان ثقلها وكونها مسؤولية كبرى على الإنسان قال تعالى واصفاً حجمها وثقلها(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) والكلام حول هذه الآية يتم عبر عدة محاور.
المحور الأول: وهو موضوع العَرض إذ كيف عرض الله الأمانة على الإنسان وما هي حقيقة ذلك؟ فهل خيّرنا الله تعالى في حمل الأمانة بمعنى أننا إن قبلناها أصبحنا ملزَمين بها وإن لم نقبلها فلا شيء علينا؟ أم أن عرْضها علينا هو قهري وتكليف لا مفر منه إلا بالإلتزام بها وتأديتها على الشكل المطلوب؟ ولكي يظهر لنا المعنى المراد لا بد أن نقف على فقرات هذه الآية المباركة.
(إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال) وقبل الخوض في صلب موضوع هذه الفقرة أشير إلى كونها تحمل بياناً لعظمة الإنسان وكونه الأكبر والأعظم في هذا الوجود وأنه أهم من السموات والأرض والجبال، ولكونه أهم منها فقد جعله الله تعالى مورداً لحمل الأمانة بعد أن أعفى تلك المخلوقات من حملها.
فالله تعالى يخبرنا في هذه الفقرة من الآية الشريفة أنه عرض حمل الأمانة على تلك المخلوقات، وهنا يبقى السر قائماً كيف أنه تعالى عرضها عليهم وهل أنه عرضها عليهم فعلاً أم أن الكلام له تأويل خاص.
فهناك أمور بقيت في علم الله تعالى لم يُطلع عليها خلقه، ولا مانع من أن يكون هناك نظام خاص لتلك المخلوقات نحن لا نعرفه بل الله وحده يعلاف ذلك، ولا مانع من أن يخاطب الله كل مخلوقاته بطريقة لا يعرفها غيره إذ أننا لا نستبعد في قدرة الله شيئاً فكل شيء ممكن أمام قدرة الله عز وجل، فقد يخالفنا البعض في طرح هذه الفكرة لأنها تتعلق بالجمادات التي لا تتحرك بالإرادة فضلاً عن كونها لا تفكر ولا تشعر، ولكن رغم معرفتنا لهذه الحقيقة لا ينبغي أن ننفي كون المخلوقات كلها سراً من أسرار الله، وهنا أشبّه الأمر بمسألة تسبيح الأشياء فلقد أخبرنا الله تعالى بأن الجمادات والعجماوات تسبح بحمده مبيناً لنا عدم قدرتنا على معرفة كنه هذا التسبيح كما في قوله الكريم(تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) فالمخلوقات التي تسبّح بطريقة لا يعلمها الإنسان يمكن أن يخاطبها اللهُ وتخاطب اللهَ بطريقة لا يعلمها الإنسان، وبما أن هذا الأمر مسكوت عن بيان حقيقته فليس أمامنا سوى السكوت عن التعرض لتلك الحقيقة الثابتة والمخفية عنا في ذات الوقت.
(إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال) وهنا يوجد لفتة حول اختصاص الجبال بالذكر مع أنها من الأرض فلماذا قال والأرض والجبال مع أن الجبال مندرجة في الأرض؟ نحن نقول لعل السبب في ذلك هو بيان عظمة الأمانة عبر عدم قدرة الجبال على حملها مع أن الجبال هي أكبر المخلوقات على الأرض، فما نفهمه نحن من الآية هو أن الله تعالى اختار اختصاص الجبال لكونها المخلوق الأضخم في الأرض ولكونها مضرب المثل عند الناس للأمور الكبيرة.
(إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها) هنا لا يوجد أمر وعصيان أمر لأن هذه المخلوقات في منأىً عن التكليف، وما عرفناه نحن البشر هو بيان حالة تكوينية استعملها الله تعالى لبيان حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الإنسان والتي استهتر بها بعد أن لم يحمّلها الله لغيره لعدم قدرة غيره على حملها وهنا تكمن الحكمة من بيان عظمة الإنسان الذي كان وما زال أشرف وأعظم مخلوق في الوجود لأنه محور كل ما في الوجود حيث أن هذا الوجود كله إنما وُجد من أجل الإنسان الذي انطوى فيه العالَم الأكبر والذي كان وما زال السر العميق واللغز الذي لم يوجد له حلٌ حتى الآن في تراكيبه المادية والمعنوية فلا علماء التشريح حلوا ألغاز تراكيبه المادية ولا علماء النفس استطاعوا أن يحلوا تراكيبه النفسية، وكل ذلك آية لنا من محدودية قدرة المخلوق على معرفة كل شيء، وفيه رسالة إلينا جميعاً وهي أننا الفقراء إلى الله المحتاجون إليها مهما كبرنا وتعلمنا.
فالله تعالى لم يكلف المخلوقات الجامدة بالأمانة لعدم استعدادها على حملها لكون أنظمتها لا تلتقى مع نظام حمل الأمانة، وقد كلّف الإنسان بحملها لقدرته واستعداده على ذلك، وهنا ينفي استعداد غير الإنسان على حمل هذا الثقل الثقيل.
قال أمير المؤمنين: ثم أداءُ الأمانة، فقد خاب من ليس من أهلها، إنها عُرضت على السموات المبنية والأرضين المدحوة والجبال ذات الطُول المنصوبة فلا أطولَ ولا أعرض ولا أعلى ولا أعظم منها، ولو امتنع شيءٌ بطول أو عرض أو قوة أو عزٍ لامتنعن، ولكنْ أشفقن من العقوبة وعَقَلْنَ ما جهِل مَن هو أضعف منهن وهو الإنسان(إنه كان ظلوماً جهولاً)
وبعد ذلك بيّن الله تعالى ظلم الإنسان لنفسه لأنه حمل الأمانة ولم يحفظها وأنه كان جهولاً بقدر الأمانة وعظمتها وكونها امتحاناً كبيراً من الله تعالى.
لقد أمر الله عباده بأن يؤدوا الأمانات إلى بعضهم البعض معتبراً خيانة الأمانة ظلماً مستوجباً للعقاب قال عز من قائل(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) والأمر هنا واضح وليس على العبد سوى الطاعة.
وأما بالنسبة للأمانة فلقد قلنا بأن الأمانة إما أن تكون لله وإما أن تكون للبشر، وفي كلتا الحالتين يجب الحفاظ على الأمانة بنفس المستوى، وأمانات الله كثيرة، منها هذا الدين الذي جعله أمانة في أعناق خلقه ليرى من منا يراعي أحكامه ويعمل بأنظمته ومن منا لا يبالي بشيء من ذلك، ومنها: أرواحنا وأجسادنا وأولادنا وكل الخيرات التي وضعها بين أيدينا وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى، فالحفاظ على أمانات الله عز وجل تتقوّم بالإيمان الصادق وبالإلتزام بأوامر الله ونواهيه، فأنت إذا كنت مطيعاً لربك فهو يعني أنك تؤدي أماناته بالشكل الصحيح.
وأما أمانات البشر فيجب أن تؤدى تامةً كاملة فلا يجوز لك أن تنكر أمانة أحد من أي مذهب كان بل يجب أن تقتدي بنبيّك الذي كان الصادق الأمين والذي كان القريب والبعيد والمؤمن والكافر يضعون عنده أماناتهم لمعرفتهم بأدائه للأمانة، فالذين يأكلون أمانات الناس ويتصرفون بها من دون أذن هم خائنون للأمانة، وخيانة الأمانة ليس أمراً محرماً في الشرائع فقط بل في قانون الإنسانية الذي يرفض هذه الأنواع من الظلم الإجتماعي.
يجب أن نؤدي الأمانة لكل مؤتمِنٍ لنا كبيراً كان أو صغيراً رجلاً كان أو امرأة عاقلاً كان أو غير عاقل حيث لا يحق لنا أن نتصرف بها بأي وجه من الوجوه، وأمانات الناس قد تكون مادية أو معنوية كالسر الذي يجعله الإنسان بين يديك فهو أمانة لا يجوز إفشاؤها.
فمن الناس من يخشى الله ويؤدي الأمانات إلى أهلها مهما كانت كبيرة أو صغيرة فلا يطمع بها ولا يدير مسامع قلبه للشيطان الغوي، ومنهم من يخون الأمانة ويطمع بها حيث لا داعي للطمع فيسرقها وينكرها على صاحبها، وهذا النوع من المؤتمَنين كثير ومنتشر وقد ذكر القرآن الكريم هذين الصنفين من المؤتمَنين حيث قال(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
وقد جعل الله تعالى الحفاظ على الأمانة من علامات أهل الإيمان الذين كان حظهم جنة الفردوس التي أعدها الله لهم بسبب عدم طمعهم بحقوق الآخرين ومراعاتهم للعهد والأمانة، قال تعالى(وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
ولا تختلف نظرة القرآن الكريم للأمانة عن نظرة النبي وآله لها حيث أخذ الحديث عن الأمانة في كلامهم حيزاً كبيراً مما كشف لنا ذلك عن أهميتها وضرورة أدائها لأن ذلك جزء من الدين.
والأحاديث الواردة في هذا الشأن كثيرة منها ما ورد عن رسول الله(ص) أنه قال: لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحج والمعروف وطنطنتهم بالليل ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة: ومنها قوله(ص) لا إيمان لمن لا أمان له.
ومنها قول علي(ع) أفضل الإيمان الأمانة: وقوله: أدوا الأمانة ولو إلى قتلة أولاد الأنبياء:
ومنها قول الباقر(ع) ثلاثٌ لم يجعل الله عز وجل لأحد فيهن رخصة، أداء الأمانة إلى البَر والفاجر والوفاء بالعهد للبر والفاجر وبِر الوالدين برين كانا أو فاجرين:
ومنها قول الصادق(ع) إن ضارب عليٍ بالسيف وقاتلَه لو ائتمنني واستنصحني واستشارني ثم قبلتُ ذلك منه لأديت إليه الأمانة:
ومنها قول الصادق أيضاً: إتقوا الله وأدوا الأمانات إلى الأبيض والأسود وإن كان حَرورِياً أو شامياً: وفي حديث آخر له(ع) إن الله عز وجل لم يبعث نبياً إلا بصدق الحديث وأداء الأمانة إلى البر والفاجر:

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى