منوعات

الحكم بما أنزل الله تعالى

الشيخ علي فقيه

الحكم بما أنزل الله تعالى

سوف أبدأ هذا البحث بآيات تتحدث عن عاقبة الذين يحكمون بغير ما أنزل الله عز وجل حيث اعتبرهم كافرين وظالمين وفاسقين، وهؤلاء الثلاثة عاقبتهم في غاية من السوء، وذلك بعد أن وجّه الأمر للجميع بأن يحكموا بأنظمة السماء الحقة التي بينها لهم عن طريق أنبيائه ورسله، وهذا الأمر لم يُستثنى منه أحد، فلقد أمر الله أهل التوراة والزبور والإنجيل والقرآن بأن يحكموا بما أنزل إليهم وإلا فهم الظالمون لأنفسهم وربهم ودينهم وأنبيائهم، وهم الكافرون بحكم الله وهم الفاسقون الذين كانت نهايتهم عصيبة ووخيمة، قال تعالى في سورة المائدة حاكياً عن أهل الالتوراة(إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)
ففي هاتين الآيتين الكريمتين يوجد أكثر من فائدة وبيان في أكثر من جانب من الجوانب التي يجب أن تراعى من قبل الناس، فالله عز وجل يخبرنا بأنه أنزل التوراة وأنزل فيه التعاليم الهادية التي عبّر عنها بالنور لأنها تنير القلوب بأنوار الإيمان، كما وتخبرنا الآية بأن الأنبياء الذين بعثهم الله رحمة للناس كانوا يحكمون بما جاء في التوراة من الأحكام الإلهية الكثيرة التي وردت من أجل إصلاح الفرد والأمة ومن أجل استقامة الحياة العادلة، وبما أن عبارات الآية تحتاج إلى شيء من التأمل حذراً من الإشتباه كان لا بد من الإشارة إلى موضع هذا الإشتباه فلقد قال سبحانه(يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ) أي أن الأنبياء كانوا يحكمون بما أنزل الله بين الذين هادوا وهم اليهود وبين الأحبار والربانيين الذين استُحفظوا من قبل الله عز وجل على الحكم الإلهي بشكل عام والذين هم شهداء على ما أنزل الله أي هم رقباء عليه كيلا يحرَّف ويزيَّف، وبعد هذا يأمرنا الله تعالى بأن نخشاه دون الناس لأن الأمر بيده وحده وقد نهانا عن أن نشتري بآياته ثمناً قليلاً بمعنى أن لا نبيع ديننا للشيطان بأثمان زهيدة وهي بعض متاع الحياة الدنيا، ثم يخبرنا بعاقبة الحكم بما لم ينزل الله فيقول(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) أي أنهم كفروا عندما لم يحكموا بحكم الله، وهذا يعني أن عاقبتهم في يوم الحساب هي عاقبة الكافرين حيث أصبحوا عند الله بحكمهم، فسوف يكون جزاؤهم جزاء من أنكر وجود الله أو أصلاً من أصول الدين وبما فرعاً من فروعه في بعض الحالات الخاصة، وأقول في بعض الحالات الخاصة لأن هناك حالات إنكار للفرع لا تُخرج الإنسان عن كونه مؤمناً أو مسلماً، ويعود ذلك إلى الهدف من إنكار الفرع أو إلى الظرف المحيط به إذ قد يكون جاهلاً بالأمر أو مضطراً، ومع الإضرار لا يكون المنكر للفرع وربما للأصل بحكم الكافر.
فحكم الله عز وجل واضح وهو قائم على العدل الذي لا يشبهه عدل في الوجود، فالعين مقابل العين والأنف مقابل الأنف والأذن بالأذن والسن بالسن واليد باليد والإصبع بالإصبع من دون جور في الحكم صغيراً كان هذا الجور أو كبيراً فإن اله تعالى يبغض الجور ما قل منه وما كثر، وهذا ما أشير إليه بقوله تعالى(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)
ثم يوجه الله سبحانه كلامه لأهل الإنجيل فيأمرهم بأن يحكموا بما جاء في هذا الكتاب السماوي العظيم، والأمر هنا بالإنجيل الذي أنزله الله على عيسى وليس بالإنجيل الموضوع الذي عُدّل من قبل بعض الأشخاص، فأي دخيل على أي كتاب سماوي فإنه يُحدث فيه خللاً كبيراً، ونحن نعلم بأن الإنجيل لم يسلم ولم يبق واحداً فهناك العديد من الكتب التي أُطلق عليها هذا الإسم السماوي، فلقد وجّه الله أمره لأهل الإنجيل بأن يحكموا بالإنجيل من دون أدنى تحريف أو تزوير فقال سبحانه(وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) وبعد ذكر هذه الآيات الكريمة تتضح لنا عاقبة هؤلاء الذين لم يحكموا بما أنزل عليهم ربهم وهي عاقبة الكفر والظلم والفسق.
وهذا الأمر لم يقتصر على أهل التوراة والإنجيل بل على كل البشر، ولهذا فقد وجّه الله أمره للمسلمين لأهل القرآن الكريم فقال عز وجل(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) المخاطَب هنا هو رسول الله محمد(ص) فيخبره ربه بأنه أنزل عليه الكتاب المنير القرآن الكريم أنزله بالحق ومن أجل الحق بل من أجل أن يعلّم الناس أحكام ربهم ويحكم بينهم بما أنزل عليه ربه من البينات والأنوار، فالقرآن الذي أنزله الله على خاتم أنبيائه مهيمن على ما سبقه من الكتب السماوية لأن القرآن اشتمل على ما في تلك الكتب وزيادة أما غير القرآن من تلك الكتب السماوية فإنه لم تشتمل على القرآن بل كان فيها بعض التعاليم التي نزلت فيه، وبعد أن أخبر الله رسوله بهذه العظمة للكتاب الكريم أمره بأن يحكم بين الناس على طبق ما جاء في هذا الكتاب الذي جعله خالقه المعجزة الخالدة فقال له(فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ) نلاحظ بأن هذه الفقرة مشتملة على أمر ونهي أمرٍ باتباع الحكم الإلهي، ونهيٍ عن اتباع أهواء الظالمين المنكرين لما نزل من عند ربهم بواسطة أنبيائه عليهم السلام، والنبي معصوم لا يتبع الهوى، وإذا كان كذلك فلماذا نهاه الله عن اتباع أهواء الناس؟ نقول إن النهي عن الحرام سائغ عقلاً وعرفاً حتى مع العلم بعدم وقوعه من الشخص المنهي عنه، فقد يصدر النهي في مثل هذه الحالة لمجرد البيان بأنه من المحرمات.
وقد جعل الله للبشر شرعة أي شريعة في الفروع وليس في الأصول والعقيدة ولو شاء لجعلهم أمة واحدة يسيرون في هذه الحياة كالبهائم ولكنه تعالى أراد أن ينزهنا عما سوانا من مخلوقاته فشرع لنا هذا الدين وأمرنا بالسير في نهجه ونوره وإرشاداته وعلومه، فبإمكانه أن يجعلنا أمة واحدة ولكنه أبى إلا أن يمتحننا في الدنيا ليجزينا بحسب أعمالنا ولهذا فقد أمرنا بأن نستبق الخيرات ونسارع في طلب المغفرة قبل أن يأتي يوم لا عمل فيه ولا امتحان.
ثم قال تعالى(وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) وهنا كرر الله تعالى أمره ونهيه مما يؤكد أن النبي ليس هو المقصود بهذا الخطاب، ولكنه تعالى في هذا التكرار حذّر نبيّه من أن يفتنه الناس ويشغلوه عن حكم ربه فإذا أطاعوا النبي فهذه هي أمنيته فيهم وأما إذا خالفوه فليعلم بأن الله تعالى يريد أن يصيبهم ببعض ذنوبهم مخبراً نبيه بأن كثيراً من الناس فاسقون يحبون الهوى ويؤثرونه على الهدى بفعل وسوسات الشيطان الغوي العدو الأكبر للإنسان.
وفي نهاية المطاف يتساءل القرآن حول أهداف هؤلاء الذين أنكروا حكم الله مبيناً لهم أن حكم الله هو الأفضل والأحسن حيث يقول(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)
وقال تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا)

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى