قِصَّةُ خُرُوْجِ يُوْسُفَ مِنَ السّجْن

قِصَّةُ خُرُوْجِ يُوْسُفَ مِنَ السّجْن
أُمِرَ به فزُجَّ في السجن ظلماً دون ذنب ارتكبه، وإنما حصل ذلك نزولاً عند رغبة امرأة العزيز التي لم تكن قادرة على ضبط أهوائها، فاستخفّت بمشاعر شاب كان من المفروض أن يكون بمقام ولدها الحقيقي، وصبّت عليه حِمم حقدها وأفقدته الحرية لسنوات بسبب عصمته التي انتفعت هي بها في النهاية.
أما يوسف(ع) فقد رأى في السجن خلاصاً له من هذا الإمتحان الصعب، وقد عبّر عن هذه الإرادة بقوله(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) ومن هذه القصة وغيرها نتنبّأ بعظمة الأنبياء(ع) وندرك السبب في جعلهم أمثلة عليا للبشرية، كما وأننا نهدف من وراء بيان عظمتهم الحثّ على الإقتداء بهم قولاً وفعلاً، لا أن نذكر أحوالهم ولا نسير بسيرتهم.
أما قوله(يَدْعُونَنِي) فيمكن أن يراد به دعوة زليخا له للوقوع في الحرام بشكلٍ عام وهي لغةٌ تُستعمل في لسان العرب كثيراً فتعبّر بالجمع عن المفرد، أو يمكن أن يكون المراد بها دعوة النسوة اللواتي أمرتهن زليخا بتسهيل المعصية له، فقد دعته النسوة للإستجابة لطلب زليخا بأساليب شيطانية لم يتأثر بها.
لقد كانت حياة يوسف مليئة بالأحداث الهامة منذ أن كان صغيراً، وقد أنزل الله تعالى سورة كاملة تحكي لنا وقائع قصته الشيّقة، وقد اخترتُ لكم منها أبرزها، ولا أقول أنفعُها لأنها كلها تنفع، وإنما جزّأتُ القصة حتى يسهل فهمها، واستنقذتُ منها بعض الأحداث هي الأقل تداولاً على ألسنة الناس بهدف جعلها كأخواتها في الشهرة حتى يمكن لنا أن نستفيد من مضامينها كاستفادتنا من تلك الأحداث المشهورة كإلقائه في البئر وأسطورة الذئب وما شاكلها من أحداث تتردد كثيراً على ألسنة الناس.
أُدخل السجن ومكث في غياهبه بضع سنوات كانت الأحب إلى قلبه حيث تفرّغ فيه لعبادة ربه دون أن يعكّر صفوه شيء مما هو كائنٌ في عالَم الحرية المزعومة.
ودخل معه السجن رجلان تعلّما منه الكثير، ولم يشعرا وهما معه بمرارة السَّجْن، وفي صبيحة يوم من استيقظ كلٌ منهما على رؤيا لم يعرف تفسيرها فسألا يوسف عنها ففسرها لهما، وقد علم بأن أحدهما سوف ينجو ويعود إلى عمله في القصر فطلب منه أن يذكره عند الملك فأنساه الشيطان ذلك، وبسبب هذا النسيان مكث يوسف في السجن لسنوات إضافية حتى شاءت حكمة الله سبحانه أن يستيقظ ملِك البلاد على رؤيا أخافته كثيراً فأرسل في طلب الكهنة والمنجمين فما قدروا على تفسيرها له، بل رموها في خانة الأضغاث، أي الصور التي يختلط بعضها ببعض، وكأنهم يقولون للملك لا معنى لهذه الرؤيا فلا تُشغل بالك في الأمر، ولكن الملك لم يأخذ بكلامهم لأنه موقنٌ بأن هذه الرؤيا تحمل معنى كبيراً ولا بد من معرفته، وهنا تذكّر الساقي يوسف الصدّيق فهو الوحيد القادر على تفسيبر رؤيا الملك، فأخبر ملِكه بقصة رؤياه التي رآها في السجن وكيف فسرها له يوسف وكان الأمر كما وصفه له، فأُعجب الملك بهذا الكلام وطلب من الساقي أن يذهب إلى يوسف على الفور ويسأله عن تلك الرؤيا العجيبة(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) وكان الجميع ينتظرون في قاعة العرش عودة الساقي ليعرفوا الخبر.
ذهب الساقي إلى يوسف في سجنه بأمرٍ من الملك، وكانوا قد منعوا أن يزوره أحد، واعتذر الساقي إليه حيث نسي رسالته إلى الملك فلم يعلّق نبي الله يوسف على الأمر لأنه لا يحمل في قلبه ضغينة لأحد، ثم سأله عن تأويل رؤيا الملك(يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ) وعلى الفور أجابه يوسف بالتالي(قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)
كانت البقرة في أعرافهم مَظهراً للسنة، وقد أخبرهم بأنه سوف يأتيكم سبع سنين تزرعون وتحصدون ولكن عليكم بتخزين المحاصيل ما استطعتم لأنه سوف يأتي من بعدها سبع سنوات شداد يكثر فيها القحط فلا ماء ولا محاصيل، ويجب عليكم أن تقتصدوا لتحصّنوا أنفسكم من الهلاك، ثم بعد ذلك تأتيكم سنة تكثر فيها الخيرات، ولكثرة المحاصيل فإنكم سوف تعصرون الزيوت والدهون.
ولم يكن ذلك مجرد تفسير رؤيا وإنما كان تخطيطاً إقتصادياً دقيقاً لم يسبقه إليه أحد، وبالفعل عندما استلم يوسف زمام الأمور لم يجع أحد من أهل مصر بل كانوا يتصدقون على أهل البلاد المجاورة لهم، كل ذلك بفضل التخطيط والعمل الدقيق.
رجع الساقي إليهم وأخبرهم بكلام يوسف فعظُم شأنه في نفوس الجميع، ومن حينها قرر الملك أن يسلّمه زمام أمور البلاد حيث رأى الخير فيه لمصر وأهلها.
(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ)
طلب الملك أن يُخرجوا يوسف من السجن لأن أمثاله حرامٌ أن يغيبوا في ظلمات السجون بل يجب أن تستفيد الأمم منهم ولكنه(ع) أبى أن يخرج قبل أن تُكشف الحقيقة، فرجع الرسول إلى الملك وأخبره بشرط يوسف فأرسل خلف النسوة وسألهن عن حقيقة الأمر فاعترفن بها وتبرأت ساحة يوسف وانجلت الصورة الحقيقية لجميع أهل مصر(قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ * قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)
وبعد ذلك خرج من السجن واستخلصه الملك لنفسه وجعله في أهم منصب في البلاد(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)
وقد رسم خطة زراعية واقتصادية وقد سار عليها الجميع فلم يشعر أحد منهم بالجوع طيلة وجود نبي الله يوسف بينهم.
لقد صبر على امتحان الله له وقد عوّضه ربه عن كل لحظة عناء قضاها قبل السجن وفيه.



