مؤلفات

قِصَّةُ إِدْخَالِ يُوْسُف إِلَى السِّجْن

قِصَّةُ إِدْخَالِ يُوْسُف إِلَى السِّجْن

(وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ)

من الطبيعي لزليخا أن تتمادى في ضلالها عندما اكتفى زوجها بقوله(استغفري لذنبك) فلم يطردها ولم يسجنها ولم يضربها ولم يضيّق عليها وكأن الأمر لا يعنيه بسبب انشغاله بالحكم والسلطة، فعندما رأت من زوجها هذا التساهل حيال خطئها قررت أن تعيد فعلتها مرة أخرى، ولن ترحم يوسف في هذه المرة، فإما أن ينفّذ لها كل ما تطلبه منه أو تأمر بسجنه وإذلاله.
هناك أشخاصٌ لا يعتبرون إلا بالعقاب، ولهذا فإن الدين الحنيف قد فرض العقاب على بعض المخالفات الشرعية لأن كثيراً من الناس لا تستقيم أمورهم إلا بطريق القسوة والغلظة كحال بعض الأولاد في المدارس فإنه إن كان المعلّم متساهلاً معهم تركوا الدروس وانشغلوا باللعب واللهو.
ولم تكتفي زليخا بمراودة يوسف في الخفاء، فبعد الإستخفاف الذي بدر من زوجها أصبحت تتصرف في العلن ومن دون أي حياء، فقد عمدت إلى بعض النسوة حولها وأمرتْهن أن يُرغِّبْن يوسف بها، وقد حاولن معه بشتى الوسائل فلم يداهن منهن واحدة ولو بكلمة، ولعل منهن من راودته عن نفسه أيضاً فكُنّ شركاء مع زليخا في تلك المراودة بدليل قوله تعالى(قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ)
ولعلها حاولت أن تراوده عن نفسه أكثر من مرة وهو يمتنع، وفي كل مرة كان يستعصم فغضبت عليه وقررت أن تبعده عن ناظريها فطلبت من زوجها أن يأمر بسجنه فاستجاب لطلبها علها تنساه ويتخلص هو من الفضيحة تلو الأخرى لأنه يعرف مدى إصرار زوجته على تحقيق رغباتها، ولا يمكن لهذا الملف أن يُطوى إلا بإبعاد يوسف، وكان أمامهم ثلاثة خيارات:
إما أن يقتلوه، وكان هذا أمراً صعباً عليهم حيث كان كالولد بالنسبة لهم، وإن هم ارتكبوا مثل هذه الجريمة فلن يرحمهم الناس ولا التاريخ.
وإما أن ينفوه من البلاد، وهذا ما كرهته زليحا حيث كانت تأمل بأنه في يوم من الأيام سوف يستجيب لها.
وإما أن يُسجن، وبهذه الطريقة تضمن حياته ووجوده قريباً منها، وفي نفس الوقت سوف ينسى الناس كل ما حدث.
وهنا وهروباً من العصيان توجّه يوسف بالدعاء طالباً العون من رب العالمين، فقد صبر عليها وعلى إغراءاتها طويلاً، وهو الآن يخاف من نفسه أن يصبو إليها أو إلى أية امرأة أخرى فوافق على أن يُسجن(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ) وكانت الطريقة الوحيدة لصرف الكيد عنه هو أن يودع السجن وقد حصل ذلك بمرسوم ملكي وأودع السجن لبضع سنين، وكان مرتاحاً في سجنه يعبد ربه براحته ولا أحد يعكّر عليه صفو تلك العلاقة الحميمة بينه وبين خالقه.
نحن نكتب هذه القصة أو نقرأها، وهو أمرٌ سهل للغاية، وربما نستفيد منها وربما نجعلها مجرد تسلية، أما الواقع المرير الذي كان عليه يوسف(ع) فقد كان صعباً للغاية، لأن المحافظة على الأخلاق بين قومٍ لا يعرفون عن الأخلاق شيئاً أمرٌ صعبٌ للغاية، ومحاولة الإيقاع بيوسف الشاب صاحب الأحاسيس والمشاعر مرات ومرات إنه لمن أصعب المراحل التي يمكن أن يمر بها أي شاب مؤمن.
يمكن لنا أن ندرك عظمة يوسف لو تخيلنا بأننا مكانه في تلك المرحلة، فهل كنا سوف نفعل ما فعل؟ أو هل كنا سنقبل بمرارة السجن من أجل الحفاظ على الدين ونتخلى عن العيش الكريم في ذلك القصر الواسع الذي كان يتمنى الجميع دخوله لما فيه من وسائل الترف والمتعة.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى