مؤلفات

قِصَّةُ السَّيدة مَرْيَمَ(ع)

قِصَّةُ السَّيدة مَرْيَمَ(ع)

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا)
تبدأ هذه الحكاية القرآنية العظمى قبل ولادة بطلة القصة(ع) أي من زمن نبي الله زكريا(ع) الذي دعا ربَّه أن يرزقه ولداً باراً ذا صفات كريمة(فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)
أما أنه يرثه فواضح، والإرث إما أن يكون مادة أو غير مادة، وأما أنه يرث من آل يعقوب فهو أنّ زوجة زكريا يعود نسبها إلى نبي الله يعقوب من ولده يهودا.
وقد ورث يحيى من أبيه مالاً وعلماً وشرفاً ومقاماً رفيعاً.
فبعد أن توجّه نبي الله زكريا بالدعاء الخالص لوجه الله الكريم استجاب الله دعاءه وبشّره بغلام له خصوصياتٌ لم يسبقه إليها أحد(يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا)
ولعل الآية الكريمة قد أشارت إلى أنه قبل نبي الله يحيى(ع) لم يُطلق هذا الإسم على أحد.
فأراد زكريا أن يستوضح الأمر من الله تعالى حيث كان ينظر إلى الأمور من الناحية الطبيعية، كيف يا رب تحمل زوجتي وهي كبيرة في السن، والطبيعة التي عرفناها هو أنّ المرأة عند بلوغها الخمسين عاماً لا يمكنها أن تحمل بمولود، فكيف تحمل زوجة زكريا وهي عجوز؟ وكذلك زوجها شيخٌ طاعنٌ في السن(قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا)
فالذي يخلق الإنسان من لا شيء يقدر أن يخلق الإنسان من شيء، وهو أمرٌ هيّن على الله تعالى الذي بيده مقاليد السموات والأرض والذي يفعل في خلقه ما يريد.
عندما سمع بالبشرى العظيمة التي كانت مصيرية بالنسبة له أَحبَّ أن يطمئن أكثر، رغم أنه لا يوجد في قلبه ذرةٌ من الشك، فطلب من ربه آيةً تُطمئنه كما طلبها إبراهيم الخليل(ع) من قبلُ عندما جعله الله إماماً للناس.
الأمر لا يحتاج إلى آية، فقط يا زكريا اعتزل الناس ثلاثة أيام فلا تكلِّم أحداً، واجلس في محرابك واذكر ربك كثيراً واشكره على آلائه الكبرى، وقد فعل ذلك كما أمره ربه، وعندما كان في محرابه سمع صوت ملائكة تخاطبه(فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ)
وقد ذكرت لكم هذا الكلام قبل الدخول في قصة مريم(ع) لوجد ترابط قوي بين القصتين كما سوف يظهر لنا.
ولكي تكون القصة متماسكة والبيان واضحاً نذكرها كما وردت في سورة آل عمران.
(إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
جاء في أقوال بعض المفسرين أنّ حنّة وأشياع كانتا أختين، فتزوج نبي الله زكريا أشياع، وتزوج عمران من حنّة وكان من زعماء بني إسرائيل.
ومضت سنوات طويلة على زواج حنة من عمران دون أن تُرزق بمولود يملأ عليها حياتها، وفي يوم من الأيام كانت جالسة تحت شجرة فرأت طائراً يُطعم فِراخه فأشعل هذا المشهد نار الحزن في قلبها وهناك دعت ربها أن يرزقها بمولود، ولم تمض فترة طويلة حتى استجاب الله دعاءها وحمَلت.
وقد ورد في الأحاديث أنّ الله تعالى أوحى إلى عمران أنه سوف يرزقه بولد يشفي المرضى ويحيي الموتى بإذن الله، فأخبر عمران زوجته بهذا الوحي فظنّت بأنّ الذي في بطنها هو المولود المقصود، ولكن المقصود كان ابن من تحمله في بطنها، وهو عيسى بن مريم(ع).
ولهذا عقدت حنّة نذراً، وهو أن تجعل مولودها يخدم في بيت المقدس(إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) وكلمة محرَّر، كانت تُطلق في الماضي على الأبناء المعيّنين للخدمة في بيت المقدس.
وبعد اكتمال مدة الحمل وضعت حملها وهناك كانت المفاجأة الصادمة، لقد وضعت مولوداً أنثى، ويجب أن تفي بالمذر(فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)
لقد خاطبت ربها بأن الأنثى ليست مثل الذكر، فهي ضعيفة البدن لا تقوى على الخدمة في المعبد، ولكن لا مفر من الإيفاء بالنذر، فاستسلمت لأمر الله ودعته أن يحفظ مريم وذريتها من وساوس الشيطان الرجيم.
ثم إن حنة هي التي سمّتها مريم، ومعنى هذا اللفظ عندهم هو العابدة، وكانت مريم عابدة لله وخادمة في بيته.
(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا)
لم يكن لأنثى قبل مريم(ع) أن تخدم في بيت الله، وقد تمنّت أمها أن يكون مولودها ذكراً حتى تفي بالنذر على الوجه الصحيح، ولكنها وضعت أنثى، وقد قبِل الله تعالى أن تكون مريم خادمة في بيته وهو تكريم لمريم الطاهرة ورياضة روحية لها في ذلك العمر.
وكان والدها عمران قد فارق الحياة فكفّلها الله نبيَّه زكريا(ع)، وقد أخذتها أمها إلى بيت المقدس وسلّمتها لعلماء اليهود كخادمة لهذا المكان الطاهر، فوقع الإختلاف بين علماء اليهود حيث كان كلٌّ منهم يريد أن يحظى بهذا الفخر لنفسه.
وعندما كثُر الجدل حولها اتفقوا على إجراء قُرعة فأصابت القرعة اسم زكريا، وقد كرروا القرعة مراراً وفي كل مرة يظهر اسم زكريا، ولم يعُد أمام علماء اليهود مهربٌ فكفلها نبي الله(ع).
وكان يدخل إليها ويخرج من عندها ساعة يشاء، وقد رأى منها العجب العجاب(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ)
كان كلما زارها وجد عندها طعاماً وهي لا يدخل إليها أحد إلا زكريا، وكان يجد عندها فاكهة الصيف في فصل الشتاء وكذا العكس، فتعجّب للأمر وسألها فأخبرته بأن الله تعالى يرسل إليها هذا الطعام.
(هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء)
عندما رأى زكريا هذه الكرامات الإلهية توجّه إلى الله بالدعاء أن يرزقه ذرية طيبة، واستجاب الله له ورزقه بيحيى.
ثم نزلت الملائكة على مريم بوحيٍ من الله تعالى(وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)
وعاشت فترة طويلة في بيت المقدس في ظل الرعاية الإلهية وفي تلك القداسة التي لم تكن لغيرها في زمانها حتى جاء أمر الله بخلق عيسى(ع) وكان ذلك اختباراً كبيراً لإيمان تلك المرأة الطاهرة.
(إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)
وهنا احتارت في أمرها، كيف ألد ولم يمسسني بشر؟ وماذا سيقول الناس عني؟ إنه امتحان عظيمٌ بالفعل، ولكن لا بد لإرادة الله تعالى أن تتحقق.
فمن الذي سيقتنع بأنّ إمرأة لا زوج لها تحمل دون أن تكون قد تلوثت بالرذيلة؟ فماذا سأفعل تجاه هذا الإِتهام؟ والحق أنّ من المؤلم جدّاً بالنسبة لفتاة كانت لسنين طويلة نموذجاً وقدوة للطهارة والعفة والتقوى والورع، ومثالا في العبادة والعبودية لله، وكان زهاد بني إِسرائيل يفتخرون بكفالتها منذ الطفولة، وقد تربت وترعرعت في ظل نبي كبير، وقد شاع أمر سجاياها وقداستها في كل مكان، أن تحس في يوم ما أن كل هذا الرصيد المعنوي مهدد بالخطر، وستكون غرضاً ومرمى لاتهام يعتبر أسوء وأقبح اتهام
فعندما أخذتها الدهشة وراحت تتساءل عن الأمر أوحى الله إليها(قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ)
ولم يبق أمامها سوى تفويض الأمر لله تعالى فهو الملجأ ومنه المَخرج.
وهنا رضخت لأمر الله واستسلمت لإرادته ووطّنتْ نفسها على تحمُّل التبعات في جنب الله عز وجل، وحملت بعيسى وعاشت طيلة مدة الحمل في حيرة من أمرها وخوفٍ من أهل مجتمعها، ماذا سيقولون فيها وهي المرأة الطاهرة التي وهبت نفسها لخدمة بيت الله.
(فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا)
حاولت أن تبتعد عن الناس قدر الإمكان، وهي تنتظر الفرج والمخرج، وبقيت بعيدة عن الأنظار حتى جاءها المخاض(فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا * فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا)
فطمأنتها الملائكة وطلبت منها أن تأكل من الرطب حتى تسهل عليها الولادة، ففعلت ذلك ووضعت حملها، ولم يعُد بالإمكان إخفاء الأمر أكثر، فلا بد من المواجهة وليكن ما يكون، ولن يتخلى الله عن عبيده.
(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا)
عندما رأوا مريم آتية وبين يديها طفلٌ رضيع أقاموا الدنيا ولم يُقعدوها، وراحوا يوجّهون إليها التهمة تلو الأخرى، وكان موقفاً صعباً عليها، وهي صامتة بأمرٍ من الله تعالى، فلم تجبهم على أسئلتهم، وهذا ما أثار غضبهم أكثر.
(فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)
لعلها طلبت منهم أن يتكلموا مع رضيعها فظنوا بأنها تسخر منهم، وفي لحظتها أجرى الله تعالى تلك المعجزة الكبرى التي أسكتتهم وبرّأت ساحة مريم، فبقدرة الله عز وجل تكلم عيسى وهو في المهد، وقد سمعه جميع الحاضرين الذين اندهشوا لما يرون ويسمعون(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا)
هدأت الأصوات بعد أن كان تصيح في وجه الصدّيقة، فلقد أخرج الله مريم من محنتها، وجعل لها مكانةً أكثر من التي كانت عليها قبل ولادة عيسى، وانتشر الخبر سريعاً، إنها آية من آيات الله عز وجل.
فآمن من آمن، وكفر من كفر، وانطوت صفحة الطاهرة مريم، لتبدأ مرحلة عيسى مع اليهود.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى