مؤلفات

قِصَّةُ التَّحدّي بالقُرْآن

قِصَّةُ التَّحدّي بالقُرْآن

قبل الخوض في أحداث هذه القصة نبدأ الكلام بالنتيجة الحتمية التي كان عليها الحال آنذاك.
(قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)
عندما صَدَع النبي(ص) بما أُمر وبلّغ رسالة ربه وتلا عليهم آيات الكتاب المنير، ووجه بالإنكار والتكذيب، واتهموه بأن كلام القرآن هو من صنعه وليس من عند ربه كما يدّعي، فإذا كان هذا الكلام كلام بشرٍ كما ادعى القرشيون فإنّ بإمكانهم أن يأتوا بمثله لأنهم أهل بلاغة وفصاحة لم يسبقهم إليها أحدٌ قبلهم، وهنا بدأ التحدي بينهم وبين رسول الله(ص) وقد تمّ على ثلاث مراحل.
المرحلة الأولى: وهي التحدي بأن يأتوا بمثل هذا القرآن كله، وقد حاول صناديدهم بكل ما أوتوا من فصاحة أن يأتوا بمثل القرآن فعجزوا عنه رغم أنهم أخذوا من الوقت أكثر من اللازم، وفي هذه المرحلة قال تعالى(لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)
المرحلة الثانية: كانت بعشر سور، فأخذوا وقتهم وبانت خيبتهم وظهر ضعفهم وأنهم يكذبون على الله ورسوله، فلم يقدر علماؤهم أن يأتوا بعشر سور(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) عجزوا ولم يستسلموا فتحداهم الرسول بما ه أضعف الإيمان.
المرحلة الثالثة: التحدي بأن يأتوا بسورة واحدة ولكو كانت السورة عبارة عن بضع آيات، وأخذوا الوقت اللازم وفشلوا(وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)
ما قدروا ولن يقدروا، ولكن الله تعالى توعّدهم بعذابٍ أليم على كفرهم وعنادهم رغم أنهم في قرارة أنفسهم أدركوا بصدق محمد وبأن كلام القرآن هو كلام خالق وليس كلام مخلوق.
وبما أنهم جحدوا بالحق فقد خسروا الدنيا ولم يربحوا الآخرة ولم تغني عنهم أصنامهم من الله شيئاً.
ولا بد من ذكر حادثة تبيّن لنا واقع القرآن الكريم الذي عجزت العرب عن نقض آية من آياته فقد ورد أنه اجتمع ابن أبي العوجاء وأبو شاكر الديصاني، وعبد الملك البصري، وابن المقفع، عند بيت الله الحرام يستهزئون بالحاج، ويطعنون بالقرآن فقال ابن أبي العوجاء: “تعالوا ننقض كلُّ واحد منا ربع القرآن وميعادنا من قابل في هذا الموضع، نجتمع فيه وقد نقضنا القرآن كلَّه، فإنّ في نقض القرآن إبطال نَبوَّة محمد، وفي إبطال نبوَّته إبطال الإسلام، وإثبات ما نحن فيه” فاتّفقوا على ذلك وافترقوا. فلما كان من قابل، اجتمعوا عند بيت الله الحرام، فقال ابن أبي العواجاء: “أمّا أنا فمتفكر منذ افترقنا في هذه الآية ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّا﴾، فما أقدر أن أَظُمَّ إليها في فصاحتها وجميع معانيها شيئاً، فشغلتني هذه الآية عن التفكر في سواه”. وقال عبد الملك: “أنا منذ فارقتكم مفكر في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾، ولم أقدر على الإتيان بمثله”. فقال أبو شاكر: “أنا منذ فارقتكم مفكّر في هذه الآية: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا﴾(، ولم أقدر على الإتيان بمثلها. فقال ابن المقفع: “يا قوم إِنّ هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر، وأنا منذ فارقتكم مفكّر في هذه الآية ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِين﴾، لم أبلغ غاية المعرفة بها، ولم أقدر على الإتيان بمثله”. قال هشام بن الحكم: فبينما هم في ذلك إذ مر بهم جعفر بن محمد الصادق عليه السَّلام فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيرا﴾. فنظر القوم بعضهم إلى ثم تفرّقوا مُقرِّين بالعجز.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى