مؤلفات

قصة صواع الملك

قِصَّةُ صُواعِ المَلِك

أراد الله سبحانه أن يجمع شَمل نبيّه يوسف(ع) بأبيه النبي يعقوب(ع) وكان لجمع شملهما قصةٌ رائعةٌ وطريقةٌ أوحى الله بها إلى عبده يوسف، وما أجملها من قصة، وما أروعها من طريقة.
لقد أصاب الجوع أخوة يوسف في موطنهم فلسطين، فسمعوا بملِكٍ في مصر يتصدّق على الفقراء ويُحسن إكرامهم، فقرروا الذهاب إليه علّهم يرجعون ببعض المؤمن التي تسد جوعهم وتحفظهم من الهلاك، وانطلقوا مسرعين قاصدين مصرَ حيث أخذ الجوع منهم مأخذَه.
وبعد مسيرٍ دام لأيام وصلوا إلى مصر وطلبوا لقاء الملك فأدخلوهم عليه وقد عرفهم ولم يعرفوه(وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ)
فرحّب بهم أحسن ترحيب وأكرمهم كما يلزم، والفرحة تملأ قلبه، لكنه لم ير أخاه بنيامين معهم وهو يحب أن يطمئن عليه، فأراد أن يهيئ خطة يستطيع من خلالها اللقاء بأخيه بنيامين الذي لم يشارك أخوته في ظلمهم له، وتكون تلك الخطة سبباً في اجتماعه مع أبيه الحزين الذي فقد بصره من كثرة البكاء على يوسف، فامتنع عن إعطائهم أي شيء حتى يأتوا بأخيهم المقصود(وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ) أخبرهم بأنّ نيّته حسنة لا يريد إيذاءهم، ولكنه يحب أن يرى أخاهم الذي لم يأت معهم، فأوقعهم في حرَج شديد، وفي نفس الوقت أمر رجاله بوضع المؤن في رحالهم دون أن يشعروا بذلك، فرجعوا إلى أبيهم وقلوبهم تعتصر حزناً وألماً، والجوع يكاد يقضي عليهم، ولما وصلوا إلى الديار وجدوا البضائع في رحالهم فأخذتهم الدهشة والحَيرة في آن واحد، وهناك أخبروا أباهم بأن الملك يريد ابنه وأخبروه بحسن استقباله وكرم ضيافته وأنه لا يريد بهم أي شر بدليل أنه وضع المؤمن في رحالهم ولم يحرمهم من حقوقهم في الطعام، فامتنع عن تسليمه لهم خوفاً عليه(قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) لقد وعدتموني من قبل أن تعيدوا أخاكم يوسف سالماً وقد نقضتم العهود والمواثيق، فألحوا عليه وأخبروه بأنهم لن يحصلوا على حبة واحدة في المرة القادمة إن ذهبوا إلى مصر دون أخيهم بنيامين.
وعندما رأى البضائع قد وُضعت في رحالهم بتلك الطريقة وشعر بصدق حديث أبنائه هذه المرة اطمئن لهم وحدّثته نفسه بأنّ الملك يمكن أن يكون ولده يوسف لأن طريقته في التعامل معهم توحي بكونه نبياً، فوافق على إرسال بنيامين معهم بعد أن أخذ عليهم المواثيق، وقد اشترط عليهم أن يدخلوا القصر من أبواب متفرقة وليس من باب واحد والله وحده يعلم ماذا كان يريد نبيّه يعقوب من وراء ذلك الفعل، ولعله كان رسالة منه إلى ولده يوسف والله أعلم(وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ)
ثم رجعوا إلى مصر ومعهم أخوهم وقد أدخلوه على الملك الذي انفرد به وقد عرّفه بنفسه وتعانقا طويلاً(وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) ثم أخبر يوسف أخاه بنيامين بأنه سوف يصنع مكيدة بأخوته حتى يستبقيه عنده ليرجعوا إلى الديار ويأتوه بأبيهم، فأمر بوضع صواعه في رحالهم ثم أمر المنادي أن ينادي بهم إنكم يا قوم سارقون لقد أخذتم صواع الملك فأوقفوهم للتحقيق.
بدأ بتفتيش أمتعة أخيه كيلا يشكوا بتلك المكيدة ثم وجد الصواع في رحالهم(فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ)
وبدل أن يصمتوا كذبوا على الله في حق يوسف واتهموه بالسرقة، ولكن يوسف(ع) سكت ولم يردّ عليهم كذبهم حتى لا تفشل خطته(قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ)
رجوه أن يترك أخاهم لأن له أباً شيخاً كبيراً لا يحتمل صدمتين وطلبوا أن يأخذ واحداً منهم مكان بنيامين فرفض، فرجعوا إلى أبيهم وأخبروه بما حدث فحزن ثم أوحى الله إليه أن يطلب من أبنائه الذهاب إلى مصر والتحقق من أمر الملِك الذي اطمأن بأنه يوسف.
فرجعوا إلى الملك وأخبرهم بالحقيقة وأعطاهم قميصه ليلقوه على وجه أبيهم ففعلوا ذلك فارتد إليه بصره ثم خرج من موطنه مسرعاً للقاء حبيبه يوسف، وقد حصل لمُّ الشمل بإرادة الله سبحانه الذي كافئ نبيّه يعقوب على صبره بلقاء يوسف قبل أن يفارق الدنيا.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى