القرآن الكريم في نظر المعاندين له

القرآن الكريم في نظر المعاندين له
رغم المحاولات المتكررة للنيل من القرآن وزرع الشك تجاهه في النفوس بقي هذا الدستور مستمراً على حاله وفي تأدية وظيفته حيث أن الله تعالى أنزل هذا الكتاب المعجزة وحفظه بقدرته من التحريف والتزوير، وقد أخبرنا ربنا تعالى عن هذه الحقيقة حيث يقول في سورة الحجر(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)
ولم يكتف المعاندون للقرآن بعجزهم عن مواجهته بل اعترف كثير منهم بعظمته وأكد على إعجازه حي نفى أن يكون من صناعة البشر، ومن جملة الذين اعترفوا بهذه الحقيقة أحد عتاة المشركين ولعله ابن المغيرة عندما ذهب إلى رسول الله(ص) ليناقشه في القرآن ويثبت أنه من صنع النبي فرجع إلى كونه خائباً متغيراً لونه فقالوا له: هل سحرك محمد؟ فقال لهم: لا: ولكنني سمعت من محمد كلاماً ليس بكلام الإنس ولا بكلام الجن إنّ له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه يعلو ولا يعلى عليه:
ومن جملة الذين أقروا بمنزلة القرآن الكريم وكونه معجزة أربعة من الزنادقة الذين اتفقوا على أن ينقض كل واحد منهم ربع القرآن فاتفقوا على أن يلتقوا بعد سنة، فمضت تلك السنة واجتمعوا، ولكنهم اجتمعوا على خيبة الأمل والعجز حيث عجزوا عن نقض آية واحدة من آياته الكريمة، وليس ذلك سوى اعتراف ضمني منهم بعظمة القرآن وكونه كلام الخالق سبحانه.ويروي هشام الصحابي الجليل للإمام الصادق (ع) اجتمع في بيت الله الحرام أربعة من مشاهير الدهرية وأعاظم الأدباء وكبار الزنادقة وهم عبد الكريم بن أبي العوجاء وأبو شاكر ميمون بن ديصان وعبد الله بن المقفع وعبد الملك البصري فخاضوا في الحج ونبي الإسلام وما يجدونه من الضغط على أنفسهم من قوة أهل الدين ثم استقرت آراؤهم على معارضة القرآن الذي هو أساس الدين ومحوره. . فتعهد كل واحد منهم أن ينقض ربعاً من القرآن إلى السنة الآتية… ولما اجتمعوا في الحج القابل وتساءلوا عما فعلوا اعتذر ابن أبي العوجاء قائلاً أنه أدهشته آية: (قل لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) فأشغلته بلاغتها وحجتها البالغة.
وأعتذر الثاني قائلاً أنه أدهشته آية: (ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب فأشغلته عن عمله…
وقال ثالثهم أدهشتني آية نوح: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين) . فأشغلتني الفكرة عن غيرها. وقال رابعهم أدهشتني آية يوسف: (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا) فأشغلتني بلاغتها الموجزة عن التفكير في غيرها.
قال هشام وإذا بأبي عبد الله الصادق (عليه السلام) يمر عليهم ويومئ إليهم قائلاً: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً
وقد تحدث القرآن الكريم عن الجن الذين أدهشهم هذا الكلام فآمنوا به حيث أُذن لهم بأن يسمعوا كلام القرآن، وفي هذا الشأن قال سبحانه في سورة الجن(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا)
المواجهة الحاسمة بين القرآن والمعاندين له
لقد كان مبعث خاتم الأنبياء(ص) بمثابة صاعقة قاتلة نزلت على رؤوس القوم وخصوصاً عندما سمعوا منه كلاماً لم يسمعوا بمثله طيلة حياتهم وهم أهل الفصاحة وأرباب البلاغة فشعروا عندها بالخطر الذي بات محدقاً بهم ومهدداً وجودهم.
فبعد أن استقصوا الأمر وأمعنوا النظر فيما سمعوه من محمد أدركوا بأن هذا الكلام يعلو مستوى البشر، ولا يمكن لهم أن يتهموا صاحبه بأية تهمة لأن الناس لن يصدقوا ادعاءاتهم بعد أن لمسوا الإعجاز في كلام النبي(ص).
فمرة اتهموا الرسول بالجنون فرُدَّ عليهم بأنه يستحيل على المجنون أن يأتي بمثل هذا الكلام من حيث السبك والمعنى، فراحوا يروجون بين العامّة بأنه سحر فأُنكر عليهم الأمر لأن السحر لا يكون كذلك فوقعوا في حرج شديد بعد تلك المحاولات المتكررة التي قام بها كبارهم بهدف كسر شوكة النبي وتكذيبه حيث لم يكن أمامهم فيما بينهم سوى الإعتراف بكون محمد نبياً وأن القرآن هو كلام الخالق الذي يدعو محمد إلى الإيمان به.
وقد كثرت الدعايات الكاذبة في شأن القرآن وأنه جنون أو سحر أو أن النبي تعلّمه من أحدهم، فلو كان هذا الأحد إنساناً لبرز وبان، ولكن عندما لم يستطع أكابرهم الإتيان بشيء من مثل هذا الكلام فقد ثبت لهم بأنه ليس كلام بشر فأقلعوا عن هذه الفكرة التي لم يكونوا هم مؤمنين بها من الأساس.
فقد أراد الله تعالى أن يحسم هذا الموقف ويثبّت قدم نبيّه(ص) بين قومه فأمر رسوله بأن يتحدى القوم فكان هذا التحدي على مراحل ثلاث:
المرحلة الأولى: وهي أن يأتي المنكرون للقرآن بمثله، فإن أتوا بمثله كانوا على حق فيما ادعوه، وإن عجزوا(والأمر كذلك) كان النبي(ص) صادقاً(وهو كذلك) وإلى هذه المرحلة من مراحل التحدي أشار الله تبارك وتعالى إلى النتيجة الحتمية التي سيؤول إليها أمر القوم حيث قال(قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)
المرحلة الثانية: وهي أن يأتي المنكرون للقرآن بعشر سور من مثل سوره، ولا شك بأن هذه المرحلة كان وقْعُها على نفوس القوم آلم لأنها الكفيلة ببيان وهنهم وكذبهم وافترائهم على الله ورسوله، فكانت النتيجة هنا كالنتيجة في الأولى، وفي ذلك يقول سبحانه في سورة هود(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ)
المرحلة الثالثة: وهي المرحلة الأخيرة والحاسمة، وهي الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، فإن عجز القوم هذه المرة عن الإتيان بما طلبه منهم النبي فإنه سوف يثبت للقاصي والداني بأنهم قوم مفترون، وقد قال تعالى في هذه المرحلة(وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) وفي سورة يونس(وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)
وعندما عجز القوم عن مواجهة القرآن الكريم رغم فصاحتهم وبلاغتهم فقد لجؤوا إلى أساليب أخرى لقمع الدين وترهيب المؤمنين ولكن جميع تلك المحاولات قد باءت بالفشل بفضل الله ورسوله الصابر على أذى قومه.



