
قِصةُ امْرَأَةِ لُوْط
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)
إنه درسٌ من دروس الحياة الأُسرية اليومية، وعِبرةٌ للناس عبر الزمن، يُستوحى منها عظمة أخلاق الأنبياء(ع) وصبرهم على الأذى حتى من أقرب الناس إليهم.
وكان هناك مشابَهة قوية في السلوك بين زوجة نوح وزوجة لوط حيث مارستا نفس الدور مع زوجيهما فاستحقتا العقاب في الدنيا قبل الآخرة، وقد جعلهما ربهما عبرة لكل مَن يعتبر.
ومن هذا الدرس يجب أن يتعلّم أكثر الرجال من المسلمين على وجه الخصوص، لا أن يعزِم على طلاق زوجته لمجرد أنها اقترفت خطأً أو أنه لم تلتزم دينياً، فلربما كان ظاهرك أفضل، ولكنّ باطنها أفضل من باطنك، فلا تحملوا الأمور على ظاهرها كيلا تقعوا في المحظور.
فالزواج منها شيء، وسلوكها الديني شيء آخر، ولا يوجد حكمٌ شرعي يمنع الزواج من فتاة ترتكب المعاصي، فإذا كانت الزوجة فاعلة للخطأ فعلى الزوج أن يعظها ويصبر على وعظها كما فعل نبي الله نوح(ع) مع زوجته، وكذا نبي الله لوط(ع).
فنوحٌ(ع) لم يطرد زوجته من بيته ولم يطلقها رغم كل الجرائم التي ارتكبتها في حق رسالته السماوية لأنه أراد أن يُعظّم معنى الحياة الزوجية ويُثبّت أركان البيت الزوجي مهما صدر من أحد الطرفين، فإذا لم يكن الزوج قادراً على تحمّل أخطاء زوجته فليتركها بإحسان كما أمر الله تعالى بعد أن يجتهد في وعظها ونُصحها.
ولن يكون المسلم مسلماً ولا المؤمن مؤمناً حتى يقتدي بالأنبياء والأئمة(ع) كما يجب، لأن الدين لا يُدرك بالتمني وبالكلام الفارغ، وإنما بالعمل الذي يترجم الإيمان على أرض الواقع.
لقد عاش نبيُّ الله لوط(ع) مع امرأة كافرة به ومنكرة لرسالته تحت سقف واحد، وكان يعاملها بكل لطف علّه يُقنعها بالحق، ولم يكن صبره عليها بأقل من صبره على قومه، ولم تقف تلك المرأة عند حدود الإنكار فقط، وإنما راحت تُألِّب الناس عليه وتشجعهم على إيذائه وهو يعاملها بكل لطف وإحسان فلم تكن تلك الطريقة ناجخة معها لأن الشيطان الرجيم قد أحكم سيطرته على عقلها وروحها فاستعبدها وجعلها واسطة لإيذاء لوط، ومن أفظع أنواع الأذى هو ذاك الذي يصدر من أقرب الناس إليك، فإنّ وجعه أكبر وآثاره على الروح آلم.
وقد اشتُهر قوم لوط بفاحشة لم يسبقهم إليها أحد قبلهم، تلك الفاحشة التي أشار إليها القرآن الكريم(أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ)
هذا ولوط(ع) يعظهم ويحذرهم من عذاب الله، وهم يهددونه بالطرد من مدينتهم إن استمر في دعوته لهم، إنهم يريدون أن يفعلوا ما يحلو لهم دون أية قيود أو شروط لأنهم فاسدون إلى أبعد الحدود.
وبعد مدة طويلة من العمل المضني في دعوة القوم إلى الحق أصبح أمرهم ميؤوساً منه فأراد الله سبحانه أن يعاقبهم في الدنيا قبل عذاب الآخرة.
فأرسل الله ملائكة على هيئة بشر إلى بيت نبي الله لوط فاستقبلهم أحسن استقبال وهو يظنهم ضيوفاً من البشر.
وقد حصل ذلك في زمن خليل الله إبراهيم الذي دعا ربه أن يعطيهم فرصة أخرى والله يعلم أنهم لن يؤمنوا ولن يتراجعوا عن غيهم، وهناك أخبر الله خليله إبراهيم بأنه سوف يُنزل العذاب بقوم لوط(وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ)
علم قوم لوط بوجود ضيوف عند لوط، ولعل امرأته هي التي أوعزت إليهم بالأمر فهرعوا إلى دار لوط يطلبون ضيوفه ليفعلوا بهم ما يفعلونه بأنفسهم من فاحشة عظمى، فراحوا يطرقون باب داره ففتح لهم وراح يعظهم وقد عرض عليهم بناته للزواج فأبوا إلا الفاحشة(وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ)
أليس فيكم رجلٌ عنده ذرة من الشهامة؟ فأجابوه بأنهم لا يريدون بناته، بل ضيوفه(قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ)
أصروا على طلبهم، وإنهم لن يخرجوا من بيته إلا بصحبة ضيوفه، وهناك صرّح الضيوف عن هويته وأخرجوا لوطاً من هذا المأزق(قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ)
لقد حقّ عليهم العذاب، وكذا امرأة لوط التي جعلها الله من الغابرين فدمّر عليهم مدينتهم بعد أن أمر لوطاً بالخروج منها هو والذين معه دون أن يلتفت إلى الوراء، فالتزم بأمر ربه وخرج من المدينة التي جعلها الله عبرة عبر الزمن.
وقد سنّ قوم لوط بفعلتهم تلك أبشع سنّة في الحياة وما زالت منتشرة في زماننا بشكل أفظع مما كان عليه الوضع في زمن لوط(فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ)
الشيخ علي فقيه

