قصص وحكايات

قصص القرآن الكريم(الحلقة 38)

قِصةُ مَرَضِ أَيوْب(ع)

 

 

قِصةُ  مَرَضِ أَيوْب(ع)

 

(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ)

من أعظم نِعم الله على الإنسان أن ينال حظاً من مدح الله وثنائه، وهذا ما فعله الله سبحانه مع أنبيائه الذين استحقوا مدحه لهم بجدارة، ولم يأتِ مدح الله لهم من فراغ، بل من قلبٍ مفعمٍ بالإيمان وعملٍ صالح، وصبرٍ على الطاعة والمصيبة.

لقد كانوا من أكثر الناس ابتلاءاً ومن أشدهم صبراً على البلاء حتى جعل الله من صبرهم مثلاً يُضرب في كل عصرٍ وجيل.

لقد طلب الله سبحانه من خاتم أنبيائه محمد(ص) أن يذكر للناس ما حدث لنبيٍ قبله كان مثالاً للصبر على البلاء، وكيف أنّ الله تعالى ختم له بالسعادة بعد أن اجتاز الإمتحان بنجاح.

كان لنبي الله أيوب(ع) أموالٌ ومواشٍ كثيرة، وقد وهبه الله سبحانه عشرة من الأبناء يُقرون عينه ويعينونه على أمور الدنيا.

وكان عابداً ذاكراً شاكراً لأنعُمِ ربِّه، وهذا ما أغاظ إبليس عليه، فلقد حاول إبليس بكل وسوساته أن يوقع بأيوب فلم يقدر عليه، فسُلّط عليه إبليس، وكان هذا ابتلاءاً لأيوب حتى يرى الشيطان كيف أنّ العباد الصالحين لا يسقطون في مرماه مهما كان البلاء كبيراً عليهم.

ولم يكن البلاء الذي ابتلي به أيوب بلاء نَقمة، وإنما كان بلاء رحمةٍ له في الدنيا وفي الآخرة، ولم يكن ظلماً لأيوب، بل هو امتحان اقتضته سنّة الحياة، ولكنه مرةً يكون قاسياً وشديداً، ومرةً يكون دون ذلك، ويرجع السبب إلى قدرة كل ممتَحَنٍ على التحمّل، وما ربك بظلامٍ للعبيد.

لقد قضى إبليس وقتاً طويلاً في محاولةٍ منه للإيقاع بأيوب(ع) غيرَ أنّ جميع محاولاته باءت بالفشل، ولو أنه حاول معه لعقود من الزمن لما قدِر عليه، والسبب، هو أنه عبدٌ مخلص وصابرٌ لا تأخذه في الله لومة لائم.

وإليكم كيف بدأ ابتلاؤه، وكان بلاءاً عظيماً لا يجتازه ولا يصبر عليه إلا صاحب القلب المُفعم بالإيمان والنور.

أول ابتلاءاته كان موتَ أولاده دفعةً واحدة، وقيل إنهم عشرة أبناء حيث انهار السقف عليهم فلم يبق منهم أحد على قيد الحياة.

فلم يفقد أيوب صوابه، ولم يقلل من صبره وحمده لله وشكره المتواصل مما أغاظ الشيطان عليه مرة أخرى فعمِد اللعين إلى غنمه فأماتها ولم يبق عنده شيء يعتاش منه، ففعل كما فعل عند مصيبته بأولاده.

ثم سُلّط الشيطان على زرعه فأحرق له كامل زرعه فلم يتغيّر توجُّهه نحو ربه سبحانه وتعالى، ولم يبق أمام إبليس إلا وسيلة واحدة فإن نجح في إخراج أيوب فيها من صبره فقد نجح، وإلا فسوف يخسأ.

لقد سُلّط هذه المرة على جسده فتحول جسده إلى قُرحة واحدة من رأسه إلى أخمص قدميه مما جعله طريح الفراش لا يقوى على النهوض، وهو يتألم وينزعج ولكن لسانه لم يتوقف عن ذكر الله تعالى، وقلبه لم يدخله الشك لحظة.

استمر به هذا المرض لسنوات طويلة حتى خشي قومه على أنفسهم من العدوى فنفوه من القرية ووُضع في ناحية بعيده ولم يكن يزوره إلا زوجته الصابرة التي اعتنت به طيلة تلك المدة، وقد صدر منها شيء أزعج نبي الله كثيراً، ولن أذكر التفاصيل حيث أننا سوف نُفرد قصة كاملة حول زوجة أيوب.

وهنا نهر زوجته وخاطبها بقسوة، بمعنى أن الله يسمع ويرى ويعلم ما في نفسه، أو بمعنى أن هذا البلاء نعمة له وعليه حيث تجعله أكثر تضرّعاً لله عز وجل واكثر قرباً منه، وكأنه لم يكن يعبأ بهذا المرض رغم الآلام البدنية والنفسية التي نجمت عنه.

وقد جاء الوقت المحدد ليعطي الله عبرة لكل الناس، فتوجه أيوب بالدعاء(أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ)

وبلحظة واحدة وبقدرة الله عز وجل ارتفع البلاء عن أيوب، وكأنه تحول إلى شخص آخر، وقد ورد بأن آخر زيارة له من قِبل زوجته بعد شفائه لم تتعرف عليه فخشيت أن تكون السباع قد افترسته.

(ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ)

بقدرة الله عز وجل تفجّرت عين ماء بارد في تلك الصحراء بعد أن ضرب الأرض برجليه كما تفجرت عين زمزم بين رجلي اسماعيل الرضيع، فشرب من مائها واغتسل وذهب مرضه كلياً.

ثم أفاض الله عليه النعم بعد أن ابتلاه بها في السابق، فوهبه أولاداً أكثر من الذين فقدهم، ومالاً أكثر من الذي حُرم منه مكافئةً من الله تعالى له على صبره الذي أصبح مضرباً للمثل عبر التاريخ.

(وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ)

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى