
بقلم: الشيخ علي فقيه
أَعْمَالُهُمْ كَالسَّرَاب
عنوانٌ استوحيناه من قوله سبحانه(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)
قد يُغبَن الإنسان بشيء في الدنيا فينتبه لهذا الغَبن فيتدارك الأمر ويُصلح ما قد فَسَد، لأن الفُرص في الحياة كثيرة والجولات متعاقبة، فإنْ خسر جولةً في يومه ربح غيرَها في غده.
أما إذا فارق الدنيا وأحياه الله تعالى للحساب ووجد نفسه مغبوناً فقد خسر هناك كل شيء حيث لا يُمكن له التغيير أو التصحيح لأنه وصل إلى دارٍ ليس فيه عمل، بل جزاءٌ فقط.
وهذا النوع من الناس كثيرٌ جداً، وقد حذّرنا القرآن الكريم مراراً من الوقوع في مثل هذا الخطأ القاتل، وأمرنا أن ننتبه ونسأل ونحذر كيلا يكون عملنا في يوم القيامة بلا فائدة.
وهذا الغَبن قد يكون سببه التقاعصَ عن كسب العِلم، والإستهتارَ بالأحكام الإلهية مع القدرة على المعرفة، ولكنه لم يسأل عمداً، وبهذا يُصبح مسؤولاً يوم القيامة عن كل خطأ ارتكبه في الدنيا، أو ربما كان يظن نفسه على خير وأنه يُحسن صنعاً، ولن يشفع له هذا الظن إن كان مقصّراً في المقدمات المطلوبة.
وهذا النوع أقبح من غيره حيث ذمّهم الله تعالى في كتابه بقوله(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا)
وهل يوجد أخسر من شخصٍ لا يعبأ به ربه يوم القيامة ولا يقيم له أي وزن؟ ولهذا يجب التخلي عن المكابرة وادّعاء المعرفة، بل يجب السؤال والتدقيق وخصوصاً فيما يتعلق بالحلال والحرام، وكيف لا نفعل ذلك والأمر الإلهي واضح في هذا الشأن، ألم يقل الله تعالى(فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)
والعجب كل العجب لبعض الناس الذين يتحققون ويدققون بالمسائل المتعلقة بالمال ولو كان قليلاً، ولا يعطون ربع هذا الإهتمام لأمور يتعلق عليها مصيرهم الأبدي في يوم القيامة.
وقد يتساءل البعض حول المُراد من هذا البحث الذي تحكي لنا مقدمتُه عن نتيجة عمل الذين كفروا، فما الفائدة من طرحه ونحن مؤمنون بالله سبحانه؟
أقول: والله أعلَم، إنّ الكافر إسمٌ يشمل الكثيرين من الناس وإن كانوا في الظاهر مسلمين، لأن الإيمان لا يتحقق بلقلقة اللسان فقط أو ببعض الأعمال الفارغة من محتواها، ولأن الكفر مراتب وحدود، فقد يؤمن المرء بشيء ويكفر بشيء وإن لم يصرّح بالكفر علناً.
فتارك الصلاة وهو يعلم أن الله تعالى أوجبها عليه هو كافرٌ بهذا الحكم الإلهي، وعاقبته في يوم القيامة كعاقبة الذين كفروا بربهم، وأعماله ستشبه السراب المعبَّر عنه بالآية الكريمة.
والإيمان بالله تعالى يذهب ويرجع، ويمكن لنا أن نقرّب المعنى من خلال حديثٍ ورد عن رسول الله(ص) يكشف لنا عن جانب كبير مما نريده من هذا البحث حيث قال: لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن:
فأثناء فعله للحرام لا يكون مؤمناً بل يكون كافراً أو بحكم الكافر، ولهذا يمكن للآية الكريمة أن تشمل الكثير من المسلمين ظاهراً والذين لا يلتزموم بأوامر الله ونواهيه.
وأكبر مصداق لمن كانت أعمالهم كالسراب هم الذين يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً، وقد ورد بأنّ الرياء شِركٌ خفي بالله تبارك وتعالى.
والمراؤون ليس من الكفار فقط، فكثير منا مراؤون أيضاً، والآية تحكي عن المرائين أياً كان انتماؤهم المذهبي أو الطائفي.
فعندما تقدّم المساعدات أو تعطي التبرعات أو تقوم ببعض المشاريع الخيرية وأنت في قرارة نفسك لا تقصد وجه الله تعالى بل تستجلب مدح الناس لك وإعجابهم بك فليس لك من عملك عند الله شيئ، وقد ورد في الحديث القدسي أنّ أمثال هؤلاء المرائين عندما يطالبون بثواب أعمالهم في يوم القيامة يأتيهم الجواب: إذهبوا وخذوا أجوركم ممن عملتم لهم:
أجارنا الله وإياكم من الكفر في العمل ومن الشرك الخفي، وجعلنا من المؤمنين قلباً وقولاً وفعلاً كيلا نأتي في في القيامة وليس لنا من الثواب شيء.
ولن يهدي الله قوماً إذا لم يريدوا الهداية لأنفسهم ولم يعملوا ما تفرضه عليهم الهداية.



