محاضرات

كَيْفَ نَتَعَاطَى مَعْ الفِكْرِ الكَرْبَلائِيّ

بقلم: الشيخ علي فقيه

كَيْفَ نَتَعَاطَى مَعْ الفِكْرِ الكَرْبَلائِيّ

فيما سبق أشرنا إلى حقيقة الفكر الحسيني النابع من حاقّ الإسلام، وأنه أشبه البحر الزخّار في أعماقه وسعته ومنافعه وعطاياه الخاصة ومواهبه النادرة، وفيما يلي سوف نذكر لكم بعض الطرق التي تعرِّفنا على كيفية التعاطي مع هذا النهج الشفّاف المتين والرقيق الذي لا ينكسر والليّن الذي لا ينثني والمعطاء الذي لا يبخل على أحد.
وبما أنه بهذا المستوى من الرفعة والسعة والدقة كان لا بدّ من تحديد تلك الطرق التي تتكفّل ببيان كيفية التعاطي معه حذراً من الوقوع في الخطأ تجاهه أو المس بأحد ثوابته عن قصد أو غير قصد.
الطريقة الأولى: وهي أن نعطي هذا النهج العظيم الحجم الذي يستحقه، ولا يتحقق هذا الأمر إلا عن طريق الإعتقاد بأنه نهج الرسل والأنبياء، ونهج الحق عبر الزمن، ونهج كل مستضعف ومظلوم ومحروم، وبمعنى آخر يجب النظر إليه على أنه رسالة سماوية بطريقة مختلفة عما سبقها حيث ترجم الإمام الحسين بفكره ونهجه وثورته تعاليم كتب السماء فكان الكتاب الحسيني هو العمل الكبير الذي قام به قبل الثورة وعندها، ومانتج عنها من خيرات وبركات ومنافع لا تُعد ولا تُحصى.
فالتعاطي مع هذا الفكر والنهج ينبغي أن يكون مميَّزاً لأنه بطبيعته مميَّز عن غيره بسبب أهدافه وكل ظروفه العامّة والخاصّة، وأن يكون التعاطي معه حذراً لأنه أغلى أمانة يحملها الأحرار في حياتهم وأكبر مسؤولية أُلقِيَتْ على عاتقهم، فالحذر في التعاطي معه أمر ملحٌّ ومطلوب دائماً كيلا تُمس عقيدة الحق بأدنى خلل، فإذا مُسّت العقيدة وبقي هذا المس قائماً فقد أحدق بها الخطر الفعلي الذي لا يمكن إجلاؤه إلا بشقّ الأنفس، وإلا فسوف تنعدم العقيدة، وإذا انعدمت فهذا يعني أننا قد وقعنا في خسارة كبرى لا يمكن أن تُعوَّض بشكل من الأشكال.
الطريقة الثانية: وهي أن نُبعد هذا النهج عن الصفقات التجارية والسياسية والحزبية وعن كل ما لا يتناسب مع واقعه ولا يلتئم مع شأنه، فإذا وضعنا هذا النهج في دائرة من هذه الدوائر الضيقة فقد ارتكبنا خطئاً جسيماً في حقه ونزلنا به إلى ما هو منزّه عنه.
وسبب إشارتي لهذه الطريقة هو أنني وكثير من المؤمنين رأينا ممارسات غير لائقة تُرتكب في حق هذا النهج الذي هو أمانة في أعناق أهل الإيمان بالدرجة الأولى لأنهم أهل غيرة وحمية على الدين وأهله، وإذا كان البعض منا لم يلتفتوا إلى الخطر الذي بات محدقاً بعقيدتنا وجب علينا أن ننبه للأمر بكل وسيلة ممكنة، وكل ذي شعور سليم وصاحب غيرة على عقيدته لا يقبل بأي مسٍ في مقدساته على مختلف أنواعها وكثرة أعدادها.
ننظر يميناً وشمالاً فنرى مجموعة من الناس يستخدمون شعارات هذا النهج لمصالح شخصية لا تمت إلى الدين وأهله بأية صلة ولا يعود منها عليهم أية منفعة، بل بالعكس فإن العائد منها هو المضرة البالغة لأن تهميش هذا النهج أو تأطيره بإطار ضيق يدسه في التراب ويدفنه حياً، وهذه أعظم جريمة يمكن أن ترتكب في حق العقيدة.
كلٌ يدعي الوصلة بهذا النهج، ويا ليتهم يسلكون طريقه ويستفيدون من تعاليمه، فلقد امتدت الأيدي الظالمة لتطال جوهر الفكر الحسيني بغية تشويهه والتنكيل به وجعلِه سلعة للتجارة وجمع الثروات واستقطاب الجماهير، وهذا ما ننبه عليه ونحذّر منه كيلا نستفيق يوماً ونحن مجرَّدون من قيمنا ومبادئنا ومعتقداتنا التي هي مصدر استمرارنا في هذه الحياة، بل هي مصدر قوتنا رغم قلة عددنا وكثرة عدونا.
وهذا السلوك المنحرف عن جادة الحق والمنطق الديني والأخلاقي ليس أمراً جديداً علينا لأنه واكب الزمن يوماً بعد يوم، فالمتزلفون في عهد النبي(ص) والأئمة(ع) كانوا كثيرين، لأنهم لمسوا المنفعة الدنيوية من خلال التمظهر بالإسلام حيث استعملوا هذا الدين الحنيف مطية تقلهم إلى رغباتهم وتحقق لهم أطماعهم وأهدافهم الخاصة فجعلوا من تلك الصورة الخارجية التي كانوا عليها ستاراً لعيوبهم الكثيرة والمتنوعة والمتكررة والتي كانت تُرتكب باسم الإسلام كما صنع معاوية وابنه وكثير ممن التفوا حول مجالس أولي الأمر الحقيقيين.
فلقد جُعل من هذا السلوك نهج مقابل نهج الحق وطريق الإستقامة وقد لقي الترحيب والتطييب من ملايين البشر الذين استحبوا النفاق على الإخلاص.
ولذا ينبغي علينا أن نقرأ التاريخ جيداً ونفهم المحطات الأساسية التي وردت فيه فنأخذ منها العبر والدروس ونستفيد من تلك التجارب التي كلّفت الكثير من الثمن المادي والمعنوي والزمني كيلا تجرفنا الأهواء كما جرفت غيرنا.
لقد كان المتزلفون وما زالوا السبب الأبرز في إضعاف الإسلام وتضعيف الأمة لأن خطرهم على الدين وأهله أكبر من خطر غيرهم عليه، ولذا كانت ضربة المتزلف المنافق موجعة ومؤثّرة، ولم تنته تلك الممارسات حتى هذا الزمن، بل يمكن القول بأنها بلغت ذروتها في أيامنا الحاضرة حيث تنوعت فيها وجوه التزلف وأساليب الإتجار بالقيم والمبادئ فلم نعُد نميز بين المؤمن المخلص لعقيدته من مدعي الإيمان كذباً وزوراً، وهنا يكمن سر المخاطر المحدقة بديننا العظيم وعقيدتنا الحقة، فهناك الكثيرون من المتاجرين بالنهج الحسيني والفكر الكربلائي، بعضهم يدعي الإلتزام بهذا النهج بهدف جمع الأموال باسم الحسين، وبعضهم يهدف من خلال ذلك إلى تثبيت وضعه السياسي أو العسكري أو الإجتماعي.
فكما تغطى يزيد بثوب الإسلام فكذلك يوجد في عصرنا آلاف اليزيديين ممن أتقنوا الصنعة وألفوا الخبرة وانتهجوا نهجه الشيطاني حيث لمسوا الإستفادة الشخصية من وراء ذلك.
وليس كلنا يقدر على كشفهم لأن أساليب المخادعة التي يستعملونها محكمة ومتقنة ومدروسة وممزوجة بأرقى أنواع الدهاء الذي يعتبره البعض ذكاءاً وهو في الحقيقة شيطنة.
هناك أشخاص تحسبهم حاملين لواء الحسين ومستميتين في سبيله ويهددون ويرعدون ويتوعدون المخالف وهم أسوأ من كل مخالف وأخطر من شياطين الجن على هذا النهج الإلهي الكريم، تراهم يذكرون الحسين ويتغنون بكلماته ويبكون لمصابه ويقولون يا ليتنا كنا معك فنفوز فوزاً عظيماً، ووالله لو كانوا معه لكانوا أشد عنفاً عليه ممن قطعوا رأسه وداسوا عظام صدره بحوافر خيولهم.
يعظون الناس على المنابر ويحثونهم على الإستماتة في سبيل الحسين وهم يفعلون عكس ما يقولون، وليس هناك من وصف لهم أبلغ مما قاله الله تعالى في سورة الصف(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) ولا أريد أن أزيد الكلام توضيحاً أكثر مما قلت كيلا ينزعج من كلامي كثير من الموصوفين به.
الطريقة الثالثة: وهي ضرورة المحافظة على هذا النهج بكل الوسائل الممكنة والأساليب المتاحة، فلا يكفي في حفظه أن نقول للناس اتبعوا هذا النهج وروّجوا له وحافظوا عليه، بل المراد من ذلك أن نحافظ عليه بشكل عملي، وأهم تلك الأساليب هي أن نعمل بتعاليم الحسين(ع) وتوجيهاته ونصائحه وإرشاداته وأن نسلك نهجه بالقلب والقول والعمل وإن كلّفنا الأمر ما كلّف الحسين وأصحابه، فالحسين(ع) حافظ على نهجه بدمه ودماء أولاده وأصحابه، وكذلك نحن يجب أن نحافظ على نهجه بكل الوسائل بما فيها بذل مهج الأرواح وفلذات الأكباد لأنه مهما كان عطاؤنا كبيراً تجاه هذا النهج فلن يكون أكبر من عطاء الحسين له.
أما أن نصعد المنابر ونتفوه بكلمات قد لا يكون فيها للحسين حظ ولا للإسلام نصيب، أو نحضر المجالس في أيام قلائل أو نتبرع بشيء من المال رئاء الناس فهذا ليس إحياءاً للذكرى ولا يمكن للنهج أن يُحفظ بهذه الطريقة.
فعلى الخطيب أن ينبع كلامه من قلبه وحاق عقيدته لا أن يكون مرائياً ليعجب الحاضرون بكلامه ويهيلوا عليه المدح والثناء وماء النفاق.
يجب على الخطيب أن يترجم كلامه وطروحاته وإرشاداته قبل أن يعتلي المنابر ليكون من الصادقين، لا أن يكون مصداقاً لقول الشاعر:
يأيها الرجل المعلّم غيره هلّا لنفسك كان ذا التعليم
إلى قوله:
لا تنهَ عن خُلُق وتأتيَ مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
لقد كان فيما مضى خطيب جمعة في أحد المساجد، وكان من أهل العلم والعمل والورع، فسأله الحاضرون يوماً أن يخصص لهم خطبة يتناول فيها الحديث عن شراء العبد وعتقه وعظيم الأجر في ذلك، فوعدهم بأن يلبي هذا الطلب، ومرت الجمعات دون أن يشير إلى هذا الموضوع، وفي إحدى أيام الجمعات وبعد انقضاء ما يقرب من سنة على سؤالهم له صعد المنبر وتناول الموضوع الذي طُلب منه، وبعد الفراغ من الخطبة والصلاة سأله الحاضرون عن سبب تأخره في تناول هذا الموضوع فأجابهم بقوله: عندما طلبتم مني ذلك لم أكن أملك مالاً لشراء عبد وعتقه أما الآن فأصبح بإمكاني فعل ذلك وقد فعلته لأنني لا أتحدث بما لا أفعل.
وعلى الحاضر في مجلس الحسين أن يكون قاصداً وجه الله تعالى ةالإستفادة من الدروس الحسينية ليطبقها في حياته عملياً.
وعلى راعي المجالس ومؤسسها والداعي إليها أن يكون هدفه الحفاظ على العقيدة وبلوغ السعادة في يوم القيامة بجوار الحسين وجده وأبيه وأمه وأخيه وبنيه(ع).
فباستعمال هذه الطرق يمكن لنا أن نحفظ هذا النهج مهما طال الزمن ومهما كانت الظروف صعبة والأحوال حرجة، فيجب أن نهيئ أشخاصاً لحمل هذه الرسالة والدفاع عنها وخصوصاً في هذا الزمان الذي كثر فيه الشر ودعاة الخير.
إن تلك الهجمة الهمجية على النهج الحسيني لا يردها سوى العقيدة الثابتة التي تدعو صاحبها وحاملها إلى بذل أغلى ما يملك في سبيلها تماماً كما صنع الإمام الحسين(ع) في العاشر من محرم سنة إحدى وستين للهجرة على أرض الطف.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى