
الأَيامُ المَعْدُودَاتُ واسْتِثْناءُ المَريضِ
قد يسأل السائل عن الأيام المعدودات هل هي أيام من الشهر أو هي من شهر شوال أو ذي القعدة أو محرم، وهذا ما يحتاج إلى إيضاح حتى لا يبقى السامع في حيرة من أمره وإن أصبح الأمر معلوماً لدى الجميع غير أن الواجب يحتّم علينا التعرض إلى هذا البحث من أجل الذين لا يعرفون أو من أجل رد الشبهات التي قد تطرأ على هذا الموضوع، ولقد أوضح الله ذلك في الآية الثالثة من آيات الصوم وذلك عندما ذكر فيها إسم شهر رمضان فعلم السامع بأن المقصود بالأيام المعدودات شهر رمضان المبارك دون غيره من الأزمان زإن كانت من الأوقات المقدسة.
والآية المبحوث عنها في هذا المقام هي كغيرها من الآيات التي يجب التأمل في معانيها ومداليلها لكي نفهم الغاية منها والمراد من نزولها، ولأجل ذلك يحسن بنا أن ننظر في كل فقرة منها على حده حذراً من الوقوع في اللبس والإشتباه بين معنى ومعنى آخر.
الفقرة الأولى: وهي قوله تعالى(أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) وقد ذكرنا قبل قليل أن المراد بالأيام هذه هي أيام شهر رمضان المبارك.
حُكْمُ المَرِيضِ تِجَاهَ فَرِيضَةِ الصيَام
الفقرة الثانية: وهي قوله عز إسمه(فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا)
الإسلام دين الرأفة والرحمة والعدالة فهو يراعي شؤون الناس في كل شيء، فلا يفرض على الإنسان ما هو خارج عن قدرته وإرادته، وإنما يوجه له التكاليف التي تتناسب مع أوضاعه وظروفه وبالخصوص الأمور التي تحتاج إلى نوع من الجهد كالصوم والجهاد والحج.
فالحج لا يجب على العاجزين عنه، والجهاد مرفوع عن أنواع كثيرة من الناس وهم الذين لا يقدرون على حمل السلاح لمرض وضعف ونحوهما من الأسباب المانعة.
والصوم مرفوع عن المريض، ولكن ليس عن كل مريض، فهناك تفصيل دقيق في المسألة يجب أن نشير إليه لأن هذا الأمر موضع ابتلاء كثير من الناس.
لقد رفع الله تعالى تكليف الصوم عن المرضى، ولكن المرض متفاوت بين شخص وآخر، فهناك أمراض لا يتأثر صاحبها بالصوم، في مقابل الأمراض التي تشتد به أو تطول مدة برئها بسببه.
فمن هو المريض الذي سقط عنه وجوب الصوم؟
هناك أمراض مؤذية للجسد كالقرحة الكبيرة التي يحذر الأطباء أصحابها من الصوم لأنها تتاثر بشكل مباشر بالصوم الذي يعبر عنه البعض بأنه عدو القرحة، فهؤلاء المرضى وأمثالهم لا يجوز لهم الصوم لأن الله تعالى لا يرضى بأن يضر الإنسان نفسه.
فالمرض المانع من الصوم هو المقصود بقوله تعالى(فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا) وليس المرض العادي كالزكام والصداع المحمول ألمه، وألم الضرس والبطن، والإنحطاط العادي الناتج عن خلو البطن من الغذاء لمدة محدودة.
هناك أشخاص يتذرعون بقول بعض الأطباء الذين لا يهمهم الصوم وغيره من العبادات، فهم ينظرون إلى الصوم من الناحية المادية المحضة، وأن هذا الجسد بحاجة إلى ثلاث أو أربع وجبات في اليوم، إن كثيراً من الأطباء لا يخشون الله في عباده، فهم يأمرون مرضاهم بالإفطار حيث لا ضرورة له ولا ضرر من الصوم عليهم، وإن كثيراً من الناس يشاركون الأطباء في هذه الجرائم العقائدية، فإذا قال لهم الطبيب لا تصوموا فإنهم يمتنعون عن الصوم مباشرة من دون أن يتأكدوا من سلامة تشخيص طبيبهم.
وهناك عدد كبير منهم يتذرعون بأنهم يستعملون الدواء بشكل مستمر فلا يصومون لأجل حبة الدواء، هذا مع العلم بأنهم قادرون على أخذ الدواء أكثر من مرة من الغروب وحتى الفجر.
إن لهذا السلوك تفسيراً واضحاً عندنا، وهو الهروب من هذا الواجب الذي يعود بالمنفعة المادية على أكثر أصحاب الأوجاع والأمراض التي قد يكون علاجها بالصوم.
إن استصعاب الصوم هو مجرد وهم، فإذا جربت الصوم ساعة فسوف تدرك بأن الأمر في غاية السهولة، بل إنه يعقب لك الراحة من أمراض وأوجاع تنتج عن الأكل والشرب في الغالب.
ليست العبرة في قول الطبيب وحده، بل في قوله وشعورك أنت معاً، فإذا منعك الطبيب من الصوم وكنت شاعراً بعدم تأثيره السلبي عليك فيجب عليك أن تصوم، لأن الطبيب الذي يؤخذ بقوله هو الطبيب الذي يوثَق به وبتديُّنه.
والعجيب أن كثيراً من الناس يدورون على أكثر من طبيب، فإذا قال لهم الأول ينبغي عليكم أن تصوموا ذهبوا إلى غيره، وهكذا إلى أن يجدوا طبيباً لا يؤخَذ بكلامه فيقول لهم افطروا، وذلك نتيجة إلحاحهم عليه، فيفطرون ويأخذون بقول واحد من بين العشرات الذين شخصوا لهم الحالة فوجدوا أن الصوم لا يضر بحالتهم بل هو نافع لتلك الحالة التي يمكن أن يكون هؤلاء قد اخترعوها من أجل أن يحتجوا بقول الطبيب فقط.
فالمريض الذي يعفى من الصوم أو الذي يحرم عليه الصوم هو صاحب المرض الذي لا يتلاءم مع الصيام بوجه من الوجوه، وهذه الحالات باتت معروفة لدى أكثر الأطباء والناس.
حُكْمُ المُسَافِرِ تِجَاهَ فَريضَةِ الصيَام
الفقرة الثالثة: وهي قوله تبارك وتعالى(أَوْ عَلَى سَفَرٍ)
ومن الذين أسقط الله عنهم وجوب الصوم هم المسافرون، ولا يعود ذلك إلى مسألة المشقة كما يظن البعض ممن ابتعدوا كثيراً عن الحكمة من وجوب الصوم، فإن هناك طرقاً للسفر في غاية الراحة والسهولة، ولكن هناك أمور يعلمها الله تعالى، نحن لا نعلمها، وقد أسقط الصوم عن المسافر لحكمة منه تعالى، ولعل الله يختبرنا بالإفطار في السفر كما يختبرنا بالصوم في الحضر.
وقبل أن نشير إلى ما يتعلق بحكم السفر ينبغي أن نلفت أنظار القرّاء الكرام إلى أن هناك أشخاصاً يتجرأون على الإرادة الإلهية فيحكمون بما تُمليه عليهم أهواؤهم ويقعون في المخالفات الشرعية، نحن مؤمنون بالله، ويجب علينا أن نلتزم بأوامره ونواهيه من دون أن نسأل عن السبب في ذلك، لأنه أعلم بالمصالح والمفاسد منّا، وهو تعالى يحب أن يُعبَد بالطريقة التي يراها مناسبة، ولا يحب أن يُعبَد بالطريقة التي يراها الناس أنها مناسبة، فما يراه الله تعالى مناسباً يجب أن يراه الناس كذلك وإلا فسوف يقعون في المخالفة المحظورة.
فطالما أن المقصود بالطاعة هو الله عز وجل، وهو الذي رخّص الإفطار في السفر فلا داعي إذن من أن نعارض إرادته التي لا يمكن للمخلوقين أن يردوها.
فلو ترك الله تعالى أمر التشخيص للناس لضاعت الشرائع والأديان لأن أمزجة الناس ونظرتهم للأمور مختلفة.
فلو استسلمنا أمام ردود الناس في مسألة الإفطار في السفر لَتَشَعَّب من هذا الإستسلام استسلامات تطال جميع الواجبات، وهذا يعني أن كل شيء سوف يتغير ويتبدل.
ففي هذه المرة ننقض الإفطار في السفر، وفي المرة المقبلة ننقض التقصير في الحج، وفي الثالثة نجعل صلاة الصبح أربع ركعات، وهكذا حتى لا يبقى شيء من الدين على حاله التي أنزلها الله عليه.
فلا يمكن لنا كمسؤولين عن هذا الدين الذي حملناه والتزمناه أن نتنازل عن مبدأ واحد منه من أجل إرضاء الآخرين، بل يجب على الآخرين أن يعملوا بمقتضى ما ورد في الشريعة التي أتت لتنظيم أمورهم وشؤونهم.
وهناك علل للتشريعات ظاهرة وعلل مخفية نردها إلى الله عز وجل الذي قيل في شأن أوامره ونواهيه وتعاليمه:أسكتوا عمّا سكت الله عنه: لأنه لو أراد أن يبديه لأبداه دون أن يعارضه في ذلك معارض.
ولعل الحكمة من وراء الترخيص للمسافر في التقصير والإفطار مخفية فهي علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.
لقد أمرنا الله بالإفطار في السفر، ونحن كمؤمنين بالله عز وجل يجب علينا أن نلتزم بذلك، وإن رآه الناس أمراً مستغرباً، لأن الله تعالى قد يمتحننا بشيء صغير للغاية، وهذا يعني أنه لا عبرة بصِغَر الأمر، بل العبرة في أننا أطعنا الله أم لم نطعه.
وقد ورد في الحديث: إن الله تعالى يحب أن يؤخَذ برخَصِه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه:
يعني كما أنك تطيع الله تعالى بالصوم في الحضر، فأنت تطيعه بالإفطار في السفر، فهذه طاعة وتلك طاعة، وكما لا يجوز لك أن تفطر وأنت حاضر وصحيح، فكذلك لا يجوز لك أن تصوم وأنت مسافر أو مريض بمرض مانع من الصوم شرعاً، وهذا هو غاية ما يمكن أن يقال في هذا المقام، لأننا لسنا مسؤولين عن إبداء المبررات والعلل، فإذا كان في الأمر علة ذكرناها، وإلا ردَدْنا الأمر كله إلى الله عز وجل.
وقد يدعي بعض من يدعي الفهم والعلم أن الحكم هذا خاص بالزمن الماضي بحجة أن السفر في الماضي كان شاقاً، أما في هذه الأيام فلا فرق بين السفر والحضر لأنك تستطيع في هذه الأيام أن تقطع مسافة السفر بدقائق معدودة، أما في الماضي فلقد كان الأمر يتطلب وقتاً طويلاً ومشقة كبرى.
نحن نقول لو كان سبب الإفطار في السفر هو المشقة وعدمها لأمكن لنا أن نسلّم بهذا الإدعاء، ولمّا لم تكن الحكمة منه هي ما تقولون من المشقة وعدمها لم يكن لكلامكم أي معنى.
ثم إنه كان في الماضي أشخاص يسافرون محمولين على الأكتاف والخيول والفيلة، فأين المشقة في سفر هؤلاء، مع أنه كان في سفرهم راحة ومتعة.
ثم إن الشرع لا يتبدل ولا يتغير، فحلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، ولو كان هناك استثناء في الأمر لذكره الله تعالى كما ذكر استثناء المريض والمسافر من الحكم بوجوب الصيام.
نحن نعتقد بأن الله تعالى لو أراد شيئاً لبيّنه، وإن في قولكم إن الحكم خاص بالزمن الماضي يمس بعلم الله وقدرته، فإنه تعالى أعلم منكم في أنه سوف يأتي يوم تُصنع فيه وسائل نقل سريعة ومريحة، ولمّا لما يستثن الله ذلك كان الحكم شاملاً لجميع الأزمان مهما تفاوتت الظروف والإمكانات.
هناك أشخاص مسلمون يحجون ويصلون ويصومون ويقرأون القرآن، ولكنهم لا يؤمنون بهذا الحكم، فهم يصومون في السفر بدعوى أنهم مرتاحون، وبدعوى أن الصوم أثناء السفر لا يؤثّر على صحتهم.
فإذا كان هؤلاء مؤمنين حقاً فعليهم أن يلتزموا بجميع أوامر الله عز وجل، لا أن يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفروا بالبعض الآخر.
فإذا كانوا مؤمنين وجب عليهم الإفطار في السفر كما وجب عليهم الصوم في الحضر.
ثم إن هذا الحكم خاص بالسفر فيما قبل الزوال، أما بعد الزوال فلا يجري حكم السفر، وهنا لو كان الأمر ناظراً إلى المشقة فإن مشقة السفر بعد الزوال أشد من مشقة السفر قبله.
والمسافة التي يتحقق بها السفر هي عبارة عن ثمانية فراسخ ذهاباً وإياباً والفرسخ خمسة آلاف وخمسمائة متر، وقد أجاز الشارع المقدس السفر في شهر رمضان اختياراً ولو للفرار من الصوم، وهذا ما أفتى بجوازه مراجع التقليد.
الشيخ علي فقيه



