
يقول إمامنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) في بيان خلق الرياح:
” ثم أنشأ سبحانه، ريحاً اعتقم مهبَّها، وأدام مُربَّها، وأعصف مَجراها، وأبعد مَنشاها، فأمرها بتصفيق الماء الزخّار، وإثارة موج البحار، فمخضته مخض السِّقاء، وعصفت به عصفها في الفضاء، ترد أوله إلى آخره، وساجيه إلى مائره ”
ما زال العلم الحديث رغم هذا التطور العلمي الباهر قاصراً عن إدراك جميع ما حوله من الموجودات، فهم يبحثون في هذه الأيام عن الأمور التي أشار إليها الأنبياء والأولياء حول أنظمة الموجودات، وقد توصلوا إلى معرفة الكثير منها وما زال أمامهم الكثير من الأمور التي يعملون على إدراكها وقد كان إمامنا أمير المؤمنين قد أخبرنا عن تلك المخلوقات وأنظمتها الأساسية حيث قال: ثم أنشأ سبحانه، ريحاً اعتقم مهبَّها، وأدام مُربَّها، وأعصف مَجراها، وأبعد مَنشاها:
الإنشاء هو الإيجاد من العدم، فقد أوجد الله تعالى هذه الريح التي جعلها عقيماً لا تلقح سحابا ولا شجراً، ومعنى قوله:اعتقم مهبها: أي جعل هبوبها عقيماً، وأدام مربها: أي أنه جعلها ملازمة لنظامها ومهامها ووظائفها.
فبعد أن خلق الله عز وجل تلك الريح وجعلها تحت تلك الأنظمة الدقيقة والباهرة أمرها بتصفيق الماء الزخّار، أي أنها تحرك الماء وهو أساسٌ في وظيفتها فهي تحرك الماء وتقلبه وتحمله من مكان إلى مكان، وبمعنى أوضح هي تتصرف في الغيمة بتلك الأنظمة التي جعلها الله لها من الأساس.
فقد أمر الله الريح بتصفيق الماء الزخار، وكذلك بإثارة موج البحار، الأمر لا يقف عند الماء الذي يسبح في الفضاء بل هو أيضاً له علاقة بماء البحر وموجه التي تحركها الرياح بقدرة الله تبارك وتعالى.
فالريح تحرك الماء في الفضاء وتثير موج البحر فتمخضه كما يمخض اللبن من أجل استخراج الزُبد منه، والمخض هو التحريك بشدة وقوة، والسقاء هو الجلد الذي يُصنع منه وعاء لمخض اللبن.
ولذلك قال(ع): ، فمخضته مخض السِّقاء، وعصفت به عصفها في الفضاء،
ثم أشار الإمام(ع) إلى بعض وظائف الريح حيث قال: ترد أوله إلى آخره، وساجيه إلى مائره ”
فرد أوله إلى آخره فيه بيان لقدرة الريح على التصرف بالماء، وأما قوله ساجيه إلى مائره، فإن الساجي هو الماء المرتكز في مكانه، والمائر هو الذي يذهب ويجيء.
الشيخ علي فقيه
