
قِصةُ مُوْسى(ع) مَعْ الفَتَاتَيْن
(وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ)
غادر مصر خفية بعد أن قتل أحد الأقباط وتوجّه نحو مدينة مَديَن، وقد مشى لأيام في طريق لم يسلكها من قبل، وكان يسد جوعه من نبات الأرض، وبقي على تلك الحال حتى وصل إلى أطراف مدين وجد شباباً كثراً يسقون أغنامهم من بئرٍ كانت هناك، ووجد امرأتين تجلسان في مكان قريب وتظهر عليهما ملامح العفة والإستحياء فشعر بما يدور في خلدهما فسألهما عن سبب وقوفهما جانباً فقالتا: إننا ننتظر تفرّق الشبان حتى تتاح لنا فرصة سقي الأغنام فأبونا شيخٌ كبير وليس لنا أخٌ يساعدنا في هذا العمل فتحركت عنده تلك الحميّة المعهودة فيه حيث عُرف بين أهل مصر ببغضه للظلم ودفاعه عن المظلومين ولم يكن سبب تركه لمصر إلا الدفاعن عن مظلوم استجار به، فكيف يترك هاتين الفتاتين دون أن يقوم بواجبه الأخلاقي معهما خصوصاً أن الشباب الذين كانوا على البئر لم يكن عندهم شيء من النخوة، فدنا من تلك البئر وألقى دلواً كبيراً كان رفعه يصعب على عصبة من الشباب متحدين ورفعه ممتلئاً بمفرده فتعجب الحاضرون من تلك القوة وبالأخص تلك الفتاتان، وقد سقى لهما أغنامهما وهو لا يريد في مقابل عمله إلا الله تبارك وتعالى.
وجلس في ناحية يستريح(فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) وقد عادت الفتاتان إلى دارهما وأخبرا أباهما بصنيع هذا الشاب الوفي والقوي فأخذته الدهشة من هذه الأخلاق التي كانت عملة نادرة في مدينتهم فطلب من إحدى بناته أن ترجع إليه وتدعوه إلى دار أبيها الذي أراد أن يُكرمه مقابل خدمته تلك، وفي الحقيقة هو دعاه حيث أخذه الشوق للقاء به فأحب أن يعرف قصّته ويساعده قدر المستطاع لأنه عرف بأنه غريب عن تلك المدينة وأنه يجمل أخلاق الأنبياء، وهذا الشيخ هو نبي الله شعيب(ع) الذي ألهمه ربه بإرسال إحدى فتاتيه لدعوة موسى.
(فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
عندما رآها موسى وسمع تلك الدعوة شعر بالراحة والطمأنينة وقد لبى الدعوة مسرعاً ووصل إلى دار شعيب الذي لم يكن يجهل أمر موسى بوحيٍ من الله تعالى، فراح يسأله عن أحواله وموسى يخبره بما جرى له من البداية وحتى النهاية فطمأنه بأنه أصبح في مأمن من مخالب فرعون وجنوده.
(قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)
أعجبت الفتاتان بشخصية موسى وأخلاقه وطلبت إحداهما من أبيها شعيب أن يستأجره لأنهم بحاجة إليه بينهم فعقد شعيب مع موسى اتفاقية، وهي أن يزوجه إحدى ابنتيه على أن يعمل عنده في الرعي والسقاية مدة ثمان سنوات فإن أكملها لعشر سنوات فهذا تطوّع منه فوافق موسى على الطلب مبيناً له بأنه إن انقضت الحجج الثماني فقد أكمل بها مهر ابنته، وبعدها يفعل الله ما يريد.
(قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ)
عاش بينهم سنوات من عمره وقد تزوج من ابنة شعيب وقد اشتُهر بينهم بعلمه وأخلاقه وحكمته وشجاعته، وقد اكتمل الشرط وأتم موسى المدة كما اتفقا ثم أخبر شعيباً بعزمه على الرجوع إلى مصر فوافق لأنه نبيٌ يعرف حجم المسؤولية الملقاة على عاتق موسى(ع) فحمل أمتعته واصطحب زوجته وتوجه عائداً إلى مصر، وفي الطريق أوحى الله إليه وأرسله نبياً وأمره بالذهاب إلى فرعون.
(فَلَمَّا قَضَى مُوسَىالْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)
الشيخ علي فقيه

