الفكر الكربلائي

أسباب تميُز الإنتصار الحسيني على أرض الطف

مُحَاضَرَاتٌ مِنْ وَحْيِ عَاشُوْرَاء

 

أسباب تميُز الإنتصار الحسيني على أرض الطف

 

إعتاد الناس عموماً والعرب خصوصاً على سلوك حربي اعتبروه قاعدة ثابتة في تصنيف المعارك وتقييم الحروب، وهو أن المعركة تُهزم عندما يُقتل قائدها، ولذا نجد بأن السعي الدائم في الحروب هو العمل على قتل القائد بهدف تفكيك جيشه وإلحاق الهزيمة في صفوفه، ومن النادر جداً أن نجد جيشاً يتابع العراك بعد موت قائده، ولو تابع فإنه لن يتابع بنفس الروحية التي كان يعمل بها قبل موت القائد، هذه هي النظرة العامة التي يتعاطى بها الناس في تقييم النجاح أو الفشل في المعارك، ولكنه مرَّ على البشرية معركة كان هذا التقييم فيها غير صائب، وذلك عندما كُتب لها النصر ليس بموت القائد فقط وإنما بموته وموت جميع أفراد جيشه، وهذا ما يزيد تلك المعركة تمييزاً عن غيرها، وهذا ما يوحي بوجود سر غامض في الأمر.

وهنا نسأل هل أن هذا السر يكمن خلف معجزة خارقة لقوانين الطبيعة، أو أنه نابع من تخطيط محكَم ودراسة كاملة وصائبة قبل القيام بالمعركة؟

هذان سؤالان وجيهان يتمحور الكلام حولهما لدى الحديث عن معركة كربلاء التي ينظر إليها البعض من الجانب الإعجازي الخفي، بينما ينظر إليها البعض الآخر من الجانب الطبيعي، وهذا ما نؤيده ونذهب إليه، لأن اعتماد كونها حصلت بالإعجاز قد يذهب بفضلها وجوهرها بنحو من الأنحاء وخصوصاً لدى الجاهلين بمعنى الإعجاز ومتى ينبغي أن يكون ومتى ينبغي أن لا يكون.

فلقد تميزت معركة كربلاء بصناعة نصر غير اعتيادي، وهو غير اعتيادي لأسباب:

منها: حجم الإنتصار: فإن هذا الإنتصار العظيم الذي حققته ثورة كربلاء لم تعهد البشرية نصراً بحجمه تحقق على أيدي الدول الكبرى والجيوش العظمى التي كانت تحقق انتصارات سرعان ما تذهب ريحها وتتناثر مضامينها مع مرور الزمن، وإن بعض الناس حتى هذا الزمان لا يصدقون بأن هذا النصر المبين قد تحقق على يد جيش قد لا يُسمى في الأعراف القتالية جيشاً نظراً لعدد وعتاد الطرف الآخر.

ومنها: دوام الإنتصار: فلا أحد ينكر بأن انتصارات كثيرة قد تحققت على أيدي الأفراد أو الجيوش أو حتى الأمم بغض النظر عن خلفية الأهداف من معاركهم وثوراتهم، ولكن تلك الإنتصارات لم يُكتب لها الدوام والإستمرار، ويعود ذلك إلى عدة أمور:

أولاً: نوعية الأهداف التي تحققت من وراء المعركة أو الثورة، هل هي تخص فئة من الناس أو بعض الأفراد أو أنها تنفع الأمة في وقت معين أو أنها تنفع الأمة مدى الحياة؟ ولا عجب في ذلك لأن كثيراً من الحروب نشبت من أجل الملوك والأمراء وحواشيهم وزمرهم وأقاربهم من العائلة الحاكمة كما كان حال كثير من الدول حتى يومنا الحاضر فافتعلوا الحروب حفاظاً على تثبيت عروشهم وبقائهم في سدة الحكم.

ثانياً: مدى فهم الناس لتلك الأهداف واقتناعهم بها، فإن كثيراً من المقاتلين شاركوا في حروب ضارية وهم لا يعرفون لماذا يقاتلون، بل هم يجهلون هوية الطرف الآخر، غاية ما في الأمر أنهم أُمروا بقتال هذه الفئة، وعليهم تنفيذ الأمر كيلا تطالهم المحاكمة القانونية الظالمة.

ثالثاً: إن دوام الإنتصار يحصل بأمرين: الأول: عشق الناس للثورة وقائدها وإيمانهم بكونه على حق وكونه كان يعمل لمصلحة الأمة، والثاني: الإرادة الإلهية، ولا يمكن للإرادة الإلهية أن تتدخل في هذا الشأن ما لم يكن الأمر مستحقاً لذلك.

رابعاً: وضوح القائد قبل معركته وعند المعركة، وكل هذه الأسباب من شأنها أن تكتب الدوام للنصر.

وهنا ينبغي أن نقوم بمقارنة بين ما ذكرناه حول موضوع دوام الإنتصار وبين ما حصل في كربلاء وعندها نعرف تماماً لماذا كُتب الدوام للإنتصار الحسيني الكربلائي.

– أولاً: بالنسبة إلى نوعية الأهداف المتسببة بالمعركة أو الثورة فلقد قرأنا الكثير من المعارك وتعرفنا على أسبابها وأدركنا الأهداف منها، فمنها ما كان عاماً ومنها ما كان خاصاً، ومنها ما كان من أجل فرد أو مجموعة، ومنها ما كان من أجل أمة بكاملها، ولكن نوعية الأهداف التي تحققت بمعركة كربلاء كانت مميزة عن باقي أهداف الثورات الأخرى لأنها كانت تعني البشرية كلها بشكل عام والأمة الإسلامية بشكل خاص إذ لم تكن معركة الحسين_كما يحاول البعض أن يصور الأمر_ معركة من أجل الحصول على الخلافة، أو من أجل الإنتقام، أو من أجل الدفاع عن النفس، وهذا ما يحتاج أيضاً إلى نظرة تأمل بسيطة كيلا نخرج من البحث دون فائدة.

فهنا ثلاثة أفكار سوف أعلق عليها بشكل سريع علني أعقد بحثاً مستقلاً لها فيما بعد.

الفكرة الأولى: وهي أن الحسين(ع) قام بتلك المعركة من أجل الحصول على الخلافة، فالقيام بالمعركة من أجل إرجاع الحق إلى نصابه وموقعه الطبيعي لا إشكال فيه ولا عيب يعقبه، ومطالبة الحسين بالخلافة لم تكن من أجل التحلي بالعرش وهو يعرف بأن إرجاع الخلافة إلى أهلها سوف يكلفه حياته فلن يتسلمها بنفسه، وهنا تظهر لنا الحكمة من وراء القيام بالثورة، فتارة نقول سعى إلى إرجاع الخلافة من أجل إحقاق الحق، وهذا لا إشكال فيه ولا عيب، وتارة نقول سعى إلى الحصول على الخلافة ونقصد به الطمع فهذا عين العيب الذي تنزه عنه أئمتنا سلام الله عليهم لأن كل هذه الدنيا وما فيها وما حولها لا يساوي في نظرهم ورقة في فم جراد.

الفكرة الثانية: وهي فكرة الإنتقام، فإننا نقول نحن نعتقد بأن أئمتنا لم يعملوا أبداً من أجل الإنتقام لأن العصمة تمنعهم من ذلك، ولهم شواهد كثيرة ماضية تدل على عفوهم وصفحهم، فمسألة الإنتقام أمر أجنبي عن سلوكهم العظيم.

الفكرة الثالثة: وهي موضوع الدفاع عن النفس، وهو أمر ذو مشروعية واضحة لأن آيات القرآن المجيد واضحة الدلالة في المقام، ولكننا نعتقد رغم مشروعية بل رغم وجوب الدفاع عن النفس أن ثورة كربلاء لم تكن دفاعاً عن النفس وإنما كانت من أجل أهداف عظيمة، وعندما نصف أي تحرك بالثورة ينبغي علينا أن ننزع فكرة الدفاع عن النفس من عقولنا لأن الثائر دائماً يكون مبادراً بالعمل فلا ينتظر قدوم الخطر الفعلي حتى يتحرك.

فنوعية الأهداف الكامنة في الثورة الحسينية نادرة الوجود، وهي كثيرة، وقد تحقق الكثير منها حتى الآن، ومن شأن هذه الأهداف العظيمة أن تكتب الدوام للثورة ونجاحها الباهر.

  • ثانياً: موضوع مدى فهم الناس لأهداف الثورة فإن فهمهم لها واقتناعهم بها ولَمسَهم ثمارها دفع بهم إلى اعتمادها نهجاً لهم في هذه الحياة، وجعلهم أيضاً يضحون بالغالي والنفيس في سبيلها حيث اعتقدوا بأنها مصدر عزهم وكرامتهم في هذه الحياة، فلقد فهم الحسينيون أعماق تلك الأهداف وغاصوا في بحورها واستخرجوا أسراراً كثيرة منها فاستمروا بها واستمرت بهم.
  • ثالثاً: لقد عشق الناس ثورة كربلاء وشخصية قائدها فتغنوا بهما مدى الحياة، وأيقنوا بأن انتشار الفكر الحسيني واستمراره إنما كان للإرادة الإلهية دخل فيه لأن ما قام به الحسين في كربلاء إنما كان نصراً لله تعالى، وقد آلى الله على نفسه أن ينصر من ينصره، وهذا هو معنى قوله تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) وقوله سبحانه(وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)
  • رابعاً: لقد كان قائد الثورة واضحاً في أقواله وأفعاله منذ الأساس، فلم يُخف أمراً على أحد كما كان يصنع بعض القادة، بل أخبرهم بأنهم سوف يُقتلون جميعاً فأصروا على البقاء والثبات، ووضوح القائد هذا دفع أكثر فأكثر إلى اعتقاد كونه الأفضل والأتقى والأعظم وما شئتَ فعبّر.

ومن أسباب تميز الإنتصار الحسيني: طبيعة المعركة من حيث عدد أفرادها: فلقد قام مئة شخص بقيادة الإمام الحسين(ع) بمواجهة جيش كبير مدجج بالسلاح حيث اعتُبر ذلك من ضروب البطولة النادرة التي أفصحت عن مدى إيمان أصحاب الحسين الذين صغر ما دون الله في أعينهم فنظروا إلى تلك الأعداد الهائلة فلم يزدهم كثرتهم سوى العزم والثبات على المبدأ ومواصلة الرحلة حتى النهاية التي كان يعتبرها الحسين وأصحابه بداية حياة عزيزة وتاريخ مشرق للأمة بعد أن أيقنوا بأن تحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يتم إلا عن طريق بذل الأرواح.

فمئة شخص تغلّبوا على ثلاثين ألفاً أو يزيدون على اختلاف في الروايات ولكن القدر المتيقَن هو ثلاثون ألفاً، وانتصار هذه القلة على تلك الكثرة كان موضع تساؤل بين أطراف كثيرة، فهل أن هناك جنوداً من السماء قاتلت معهم كما قاتلت تلك الجنود مع المسلمين يوم بدر؟ أم أن الإرادة والعزيمة جعلت الواحد من أصحاب الحسين بألف رجل؟ أو أن هناك أسباباً أخرى؟ هناك العديد من التساؤلات حول هذا الحدث الكبير، ولكننا نعتقد بأن الإعجاز لم يلعب دوره في تلك المرحلة لأنه لو تدخّل الإعجاز لما بقي من أعداء الدين رجل على وجه الأرض، وهذا يعني أن النصر الذي تحقق إنما تحقق بفضل إرادة وسواعد أصحاب القلوب المفعمة بالإيمان والذين قال عنهم الحسين(ع) لا أعلم أصحاباً خيراً من أصحابي: فلقد كبرت تلك الثورة في نفوس الأحرار عبر الزمن حينما انطبق على الحسين وأصحابه قوله تعالى(كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله)

فمئة شخص في قبال ثلاثين ألفاً أمر خارج عن المألوف لأن المألوف هو أن لا يتجاوز عدد أحدهما ضعفي أو ثلاثة أضعاف الطرف الآخر، أما أن يتجاوز عدد أفراد المقاتلين في الصف اليزيدي الثلاثمئة ضعف فهذا أمر خارج عن المعقول، ونسبة الإنتصار على هذا العدد الهائل قليلة جداً، ولو اعتبرنا أن النصر الحقيقي هو الإنتصار العسكري فما أحدثه الجيش الحسيني من خسائر في صفوف الجيش اليزيدي هو انتصار عسكري بحد ذاته حيث أن أضعف مقاتل في الجيش الحسيني كما ينص التاريخ تسبب بقتل العشرات من الطرف اليزيدي.

فالأمر الخارق للطبيعة في هذا المجال ليس أن يقتل مئة شخص ثلاثين ألفاً بل الخارق لنواميس الطبيعة ولعادات القتال والحروب هو أن يواجه مئة شخص ثلاثين ألفاً، والإعجاز في القتال حصل في زمن الرسول ولكن بنسبة لم تتجاوز العشرة أضعاف، وها هو القرآن الكريم صريح في المقام حيث يقول تعالى(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ  الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)

فالآيات تحدثت عن إجراء الإعجاز في مواجهة عدد يساوي عشرة أضعاف الفئة المؤمنة الصابرة، ولم نجد آية أو حديث يتحدث عن مواجهة ثلاثمئة ضعف، هذا بالإضافة إلى أن المشيئة الإلهية اقتضت أن يحصل ما يحصل لأن ما حصل كان النافذة إلى سعادة الأمة في الدنيا والآخرة.

فعلى المستوى العسكري بناءاً على ما ذكرنا انتصر الحسين وأصحابه لأن العدد الذي قتلوه من الجيش اليزيدي تجاوز عشرين ضعفاً، وعلى المستوى النصر الديني والعقائدي فلقد حقق الحسين بثورته أعظم انتصار للأمة في تاريخها الطويل.

ومن أسباب تميز النصر الكربلائي: الظروف الإنسانية : والتي من شأنها أن تلعب دوراً كبيراً في إضعاف الثائر ومناصريه وذلك عندما ذبحوا أولاده وأخوته وأصحابه بهدف إجباره على الإستسلام فلم يبلغوا مرادهم من خلال ذلك.

ومنها: الحصار الظالم:  لإخضاع القائد على الإستسلام وهو يسمع بكاء الأولاد من شدة العطش فضلاً عن بكائهم الناتج عن الخوف.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى