
المَوْت
إنّ جميع الناس يطلبون التعرف على حقيقة الموت لأنه يعني الجميع من دون استثناء، وهو طلب ضروري في نظر الشرائع السماوية وفي نظر أهل المعرفة حيث يستحسن لكل إنسان أن يتعرف على ما يختص به من الأمور وخصوصاً على الموت الذي يعتبره الناس من أعظم أمور الحياة لأنه يعني للبعض نهاية الأمر، بينما يعني للبعض الآخر بداية مرحلة جديدة تختلف عن مرحلة الحياة، وربما يعني للبعض منهم البداية التي لا نهاية لها.
والله سبحانه خلق الموت والحياة لحكمة منه، وقهر عباده بالموت الذي لا مفر منه ولا مهرب ولا تأجيل، فقضى الله تعالى الموت على من جاء أجله، وهو القائل في سورة الأعراف(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) وفي سورة يونس(قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) وفي سورة النحل(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)
وهذا يعني أن الموت أمر محتوم لا مرد له إلا إذا شاء الله أن يطيل في عمر أحدهم فإن الأمر بيده وحده، لأنه هو المحيي والمميت وهو على كل شيء قدير.
سَبَبُ خَوْفِ الإِنْسَانِ مِنَ المَوْت
إن الموت أمر عظيم ومخيف، فبعضهم يخاف منه لأنه باب المرحلة الآتية التي لا يعرف تفاصيلها، فمن الطبيعي أن يخاف الإنسان من المجهولات عنده، وبعضهم يخافه لأنه سوف يبعده عن الأهل والأحباب، والبعض يخافونه لأنه سوف يقطع لهم الفرصة فيمنعهم من القيام بالواجبات أو تسديد ما فاتهم منها عن طريق التقصير أولاً والقصور ثانياً.
كَيْفَ يُمْكِنُنا الوُصُولُ إِلَى حَقِيقَةُ المَوْت
بعد أن يتيقن الإنسان بأن الموت أمر حتمي الحصول لا مفر لأحد منه، يسأل عن حقيقة الموت من باب الإحاطة بشيء من تلك المرحلة كيلا يتفاجأ بكل ما يراه بعد الموت أو يسمعه أو من باب حب الإستطلاع على المرحلة القادمة.
والجواب على سؤاله حاضر، ولكن لا يوجد جواب تام ومبيِّن لكل شيء، لأن الموت وما بعده من الأمور الغيبية التي لا يمكن التوصل إليها عن طريق التأمل والإستنتاج والإجتهاد، بل لا بد من الإعتماد في ذلك على دليل صحيح من القرآن والسنة، فإذا لم نعثر على الدليل وجب السكوت لضرورة السكوت عما سكت الله عنه، وأما إذا وجدنا الدليل فبها ونعمت.
وإننا نقرأ كثيراً حول الموت ونسمع الكثير، ولكننا لا نأخذ بشيء مما نقرأ أو نسمع إلا إذا اعتمد القائل على دليل واضح، وقد كثرت الكتب المحدِّثة عن الموت وما بعده، فهي في متناول الأيدي، ولكن لا يجوز الإعتماد على أكثرها لأن أكثر ما فيها يعتمد على الذوق الفردي الذي لا يصلح أن يكون دليلاً يُعتمد عليه، أو حجة يُعمَل بها، وكثير منهم كتبوا في هذا المجال كصفقات تجارية لأن الناس تهوى قراءة مثل هذه الكتب، وطبعاً هؤلاء لا يكتفون بالصحيح وإنما يزيدون عليها آراءهم الوهمية من أجل تشجيع الناس على شراء تلك الكتب وقراءتها.
وفي مجتمعاتنا الإسلامية يوجد تهاون وتقصير من الجهات المسؤولة حول مسألة النشر، فإن كل مَنْ مَلَك ثمن الطباعة يطبع ما يشاء وإن كان ما يطبعه باطلاً من الأساس، حيث لا توجد رقابة جدية على المؤلفات، وهذا ما أوقع الناس في حيرة من أمرهم، فإذا أردنا أن نثبت بطلان فكرةٍ مُعَيَّنة لواجَهَنا الناس بقولهم لقد قرأنا ذلك في الكتاب الفلاني أو الكتاب الفلاني، وكأن ما يسطّر في تلك الكتب أصبح تنزيلاً في نظرهم.
فالموت أمر من خصوصيات الخالق سبحانه وتعالى، فإن شاء أطلعنا على بعض أسراره، وإن شاء منعنا من ذلك لحكمة معينة، أما أولئك الكتّاب فإنهم لا يخشون الله فيما يكتبون، ولأجل ذلك نراهم جريئين في اختلاق الأكاذيب وابتداع الأباطيل التي من شأنها أن تخرب معتقدات الناس وتزلزل الدين بداخلهم.
إن موضوع الموت وغيره من الأمور الخاصة بالعقيدة، فلا يجوز أخذها من غير المصدر الصحيح، بل يجب الرجوع إلى أهل الخبرة في ذلك، فإنهم الحجة علينا، وهم الذين أمرنا الله تعالى بالرجوع إليهم حيث يقول(فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) فإذا نظرنا إلى هذه الناحية من منظارها الصحيح وسلكنا الطريق المطلوب فحينئذ استطعنا أن ندرك حقيقة الموت وغيره من الحقائق التي نتمنى التوصل إلى معرفتها، لأن في معرفتها نفعاً لنا وأثراً على سلوكنا في هذه الحياة.
الشيخ علي فقيه


