غُشُ الناس شرٌ كبير

غُشُ الناس شرٌ كبير
إذا نظرنا إلى الأحكام الإلهية التي وردت في الكتاب والسنّة وتأملنا فيها ملياً نجد بأنها وردت كذلك من أجلنا من أجل أن نعيش بسلام وأمان واطمئنان فلا أحد يحق له أن يظلم أحداً بأي نوع من أنواع الظلم مهما كان حجمه كبيراً أو صغيراً لأن الإسلام وضع أجمل وأرقى أنواع المناهج للحياة السعيدة، ونقصد بالحياة السعيدة تلك التي تكون معبراً للسعادة الأبدية في يوم المحشر.
والتأسيس لحياة سعيدة له مقدمات صعبة وثمن كبير لأن الجنة التي نبغي الحصول عليها لا تدرك بالتمني ولا تنال بالخيال والوهم ومجرد الشوق لها فإذا لم يدفع الإنسان ثمنها لا يمكن أن يحصل عليها، وليس في هذه المعادلة ظلم للبشر فهذا عين العدالة، ودين الإسلام يتميز عن باقي الأديان بطريقته الخاصة في التعاطي مع المحسن والمسيء فهو لا يغلق الباب في وجه المسيء مهما تمادى في إساءته بل يبقي له المجال مفتوحاً حتى يعاين الموت فإذا تاب قبل أن يعاين الموت قبل الله منه التوبة، أما بعد المعاينة فالأمر مشكل وهو يعود إلى الله تعالى الذي إن شاء قبل التوبة أو ردها على صاحبها، وفي قبال هذا التعاطف وفتح المجال نرى بأن دين الإسلام متشدد حول أمور لا بد وأن نتشدد عليها من باب ردع المسيء عن الإساءة فهو لا يتعامل مع المسيء كما يتعامل مع المحسن بل هو ينظر إلى المسيء على أنه ظالم لنفسه ولغيره وأنه يجب أن نتعاطى معه بالطرق التي رسمها القرآن الكريم لننهاه عن المنكر إما باليد أو باللسان، وبمعنى أوضح إن الإسلام الحنيف دين الحق الذي قال الله فيه (إن الدين عند الله الإسلام) لا يضحك في وجه المسيء وإنما يؤنبه على إساءته ويحذره من البقاء على ما هو عليه بل ويتوعده إن استمر أو تمادى في الإساءة، ومن جملة الأمور التي نهى عنها الإنسان بشدة واعتبر فاعلها من شر الناس مسألة غش الناس وهو من الأمور المحرمة إنسانياً قبل أن تكون محرمة دينياً لأن الإنسانية السليمة بنفسها ترفض هذه الممارسة الشنيعة وتعتبرها اعتداءاً على حقوق الآخرين، ولذلك قال أمير المؤمنين علي(ع): شر الناس من يغش الناس: ونلاحظ هنا بأنه(ع) لم يخصص الأمر في فئة معينة فلم يقل من يغش المسلمين وإنما قال من يغش الناس وإن كانوا من غير المسلمين فإن المسلم لا يغش أحداً ولو كان عدوه في المعتقد.
وهذا الغش ليس محصوراً بالأمور المالية فقد يحصل الغش بالعلم والتوجيه والسياسة والأمن بل وفي كل شيء، وفي الجميع كان الغش محرماً وفاعله من شر الناس.
ولكن أكثر نوع من أنواع الغش انتشاراً في المجتمعات هو الغش المالي والتطفيف المذموم هو وفاعلوه على لسان القرآن الكريم الذي طالما نهانا عن الغش بجميع أشكاله ومراتبه، قال تعالى(وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)
وقال سبحانه(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)
وهذا النهي عن الغش يعود إلى آلاف السنين فلقد نهى جميع الأنبياء أقوامهم عن ممارسة الغش لأنه أمر مبغوض عند الله سبحانه وتعالى وهو ضرب من ضروب الشر ومظهر من مظاهر الفساد الديني والأخلاقي والإجتماعي.
وقد اعتبر الفقهاء عملية الغش من كبائر الذنوب لأنها في الحقيقة كذلك فهي تغرب نفسية الإنسان وتفسد له دنياه وآخرته وتحطمه بين الناس وتبقى هذه الصفة ملازمة له وإن مات.
الشيخ علي فقيه



