
قَتْلُ النَفْسِ المُحْتَرَمَة
إن قتل النفس من كبائر المحرمات التي يستحق مرتكبها الخلود في نار جهنم، وقد ذُكر هذا الحكم الإلهي في القرآن الكريم بشكل واضح وجلي، فقال تعالى(وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وقال تعالى(وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)
وقتل النفس من الذنوب التي يستحق عليها فاعلها عقابين أحدهما في الدنيا والآخر في يوم الحساب، وهو أشد من عقاب الدنيا الذي لا يقاس بذرة من عذاب الآخرة.
وهذا الفعل من كبائر الذنوب سواء قتل الشخص نفسه أم قتل غيره، إلا إذا كان قتله له عن خطأ فعند ذلك يوجد أحكام خاصة تتعلق بذمة القاتل.
والآيتان المذكورتان أشارتا إلى هذين النوعين من القتل إذ أنّ الأولى ناظرة إلى قتل الآخرين، وربما إلى قتل الإنسان لنفسه أيضاً لأن الحكم فيها ورد عاماً، والثانية ناظرة إلى قتل الإنسان نفسه، فكلاهما عند الله حرام ومستوجب لدخول النار.
الرُّوْحُ أَمَانَةٌ يَجِبُ الحِفَاظُ عَلَيْهَا
إن جميع الموجودات المادية والمعنوية مُلكٌ لله عز وجل، فلا يجوز للخلق أن يتصرفوا بملك الغير إلا بعد أن يأذن لنا المالك إما بجميع التصرفات وإما بتصرفات محدودة، ومن جملة هذه المملوكات جسد الإنسان وروحه إذا فصلنا بالكلام بينهما لأن أكثر الكلام في الغالب ينصب على الروح والجسد مجتمعَيْن.
فلا يجوز للإنسان أن يُزهِقَ روحه بدعوى أنها له، فلا يوجد في الوجود ما هو ملك للإنسان، بل يوجد ما استخلفنا الله عليه، لأن الملك الحقيقي والفعلي يعود إلى الله عز وجل فهو المالك الأول والأخير، والمالك اثنان: إما موجد وإما حائز: أما المالك الموجد فهو الخالق سبحانه وتعالى، فهو المالك الحقيقي لكل مخلوق، وأما المالك الحائز على الشيء أو المأذون له بالتصرف فيه بشكل مشروط فهو الإنسان، فالمال أو الدار أو البضائع أو العقارات التي يملكها الإنسان والتي يحق له بأن يتصرف بها هي في الحقيقة ملك لله عز وجل، فإنك وإن كنت مالكاً لهذه الأمور فلا ينبغي أن تفصل ملك الله عن ملكك لأن ملكك بالأساس هو لله تعالى، وقد سلّطك ربك على هذا المال بطريق وبآخر.
فلو كان ما بين يديك ملك حقيقي لك لجاز لك التصرف به في جميع الوجوه، ولمّا لم يكن لك هذا الإذن المطلق كنت أنت مؤتَمَناً عليه ولست مالكاً حقيقياً لك، فلا يجوز لك إتلاف المال بوجه غير مشروع، ولا يجوز لك التبذير فيما تعتقد أنه ملكك، وإلى هذا المعنى الدقيق في مسألة الملكية ومساحة التصرف بها أشار القرآن الكريم بقوله(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ)
وهكذا الأمر في روحك وجسدك فهما أمانة في عنقك تجب المحافظة عليهما من كل ضرر حدّده الشرع الحنيف، فلا يجوز لك أن تشوّه بدنك أو تزهق روحك بدعوى أنك مالكهما، فهذه دعوى لا أساس لها لأنك مجرد مؤتَمَن قد ائتمنك ربك على ما خلق وعلى ما تعود ملكيته له وحده.
وَجْهُ الحُرْمَةِ فِي قَتْلِ النَّفْس
إن وجه الحرمة في قتل النفس لا يعود إلى مسألة الملكية وعدمها، فما ذكرناه هنا هو مجرد توضيح للفكرة الأساسية فقط، وأما منشأ الحرمة في قتل النفس فهو النهي الإلهي عن ممارسة هذا السلوك، لأنك وإن جعلك ربك مالكاً أساسياً لبدنك وروحك تبقى الحرمة قائمةً في هذا السلوك، فأهم سبب لحرمة الشيء أو حلّيته هو إرادة الله للشيء أو بغضه له.
الشيخ علي فقيه



