
رَأْيُ الإِمَامِ فِيْ عَدَمِ سَلامِ الجَنُوْب
إذا كان الإمام الصدر خبيراً بأمراض لبنان كلها وبالدواء المناسب لتلك الأمراض، فهو بشكلٍ أولى يعلم أخص خصوصيات جنوب لبنان على جميع الأصعدة.
لقد كان الإمام يعرف بأن مصدر زعزعة استقرار الجنوب هو إسرائيل صاحبة المطامع الكبرى فيه، وكان يعرف أن أي سلام للجنوب سوف تقف إسرائيل في وجهه لأن سلام الجنوب يعني القضاء على أطماعها فيه، ولهذا لم ترض إسرائيل بأمن الجنوب وسلامته واستقراره بل إنها سوف تفتعل كل ما يبقي الجنوب في دائرة الحرب فإن لم يكن أمنياً فسياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو غير ذلك.
وفي بعض المقابلات التي أُجريت مع سماحته طُرح عليه هذا السؤال: من هي القوى، في رأيكم التي ما زالت تمنع عودة السلام الى الجنوب؟
فأجاب: إسرائيل فقط، مباشرة وبواسطة عصابات ترسلها اسرائيل بين الطرفين وأيضاً مجموعة عسكرية تبلغ كتيبتين تدعي أنها منتمية الى الجبهة اللبنانية، ولكن في الواقع تأخذ أوامرها من اسرائيل، اسرائيل تمنع عودة السلام مباشرة وبواسطة عملائها، وعملاؤها موجودون في الطرفين، والمجموعة العسكرية التي تتزود وتتسلح وتتدرب وتأخذ أوامرها مباشرة من اسرائيل، يعني اسرائيل لها ثلاث طرق في التأثير على سلام الجنوب تستعملها وهذا وحده السبب في عدم حصول السلام في الجنوب، وإلا فجميع القوى الأخرى من مصلحتها السلام في الجنوب:
تَعَايُشُ أَهْلِ الجَنُوْبِ فِيْ نَظَرِ الإِمَامِ الصدْر
إن فكرة التعايش بشكل عام كانت من المبادئ الثابتة لدى الإمام الصدر الذي سعى إلى الدمج والتقريب بين جميع الفئات اللبنانية وغير اللبنانية، وهذا ما شهد به كلامه في غير لبنان عندما كان يدعو الحكام والشعوب إلى العيش المشترك مبيّناً لهم آثاره الطيبة على استقرار أمن البلاد وازدهار الإقتصاد فيها.
وإذا كانت فكرة التعايش عند الإمام الصدر واسعة إلى هذا الحد فلا شك بأن التعايش في الجنوب هو المنطلق الأول له، وقد شهد الجميع بأن الإمام سعى كثيراً لتوطيد العلاقات بين المسلمين والمسيحيين منطلقاً من مبدأ احترام الإنسان لأخيه الإنسان وأنه قاعدة ثابتة في جميع الأديان، وإن تطبيق هذا المبدأ يحل الكثير من المشاكل والمشاحنات والخلافات التي كانت موجودة بين فئة وأخرى، بغض النظر عن وجود أشخاص حرّضوا على التفرقة والتقسيم وزينوا للناس بأن التقسيم يعود عليهم بالمنفعة وبمساعدات بعض الدول الخارجية، وبدوره الإمام الصدر كان يعمل على بيان كذب أولئك أصحاب المطامع من وراء فكرة التقسيم وأنهم أشخاص مأجورون ينفذون بعض المطالب الخارجية.
وها هم كوادر الإمام الصدر وفي مقدمتهم دولة الرئيس نبيه بري ما زالوا يناشدون بالعيش المشترك ويرفضون فكرة التقسيم التي تحرق لبنان بما وبمن فيه، ومنذ سنوات كثيرة وقادتا حركة أمل وحزب الله يعملان على توطيد فكرة العيش المشترك لأنهم تعلموا من الإمام الصدر أهمية هذا السلوك ودوره الفعال في استقرار السيادة والأمن والإقتصاد.
ومما قاله الإمام الصدر في موضوع العيش المشترك في الجنوب: طبعاً، لأن ما حصل بين القرى المسيحية وغيرها كان من الواضح أنها ليست مواقف ذاتية من تلك القرى، مثلاً: عندما دخل المسلحون، عبر الأراضي الاسرائيلية في “عين ابل”، احتج أهالي “عين ابل” عليهم، ولكنهم لم يتمكنوا من أن يعملوا أي شيء نتيجة لوجود المسلحين ونتيجة لوجود الضغط الاسرائيلي، رميش الآن تعيش حالة تململ وقلق قاسٍ، وهكذا “القوزح” وبقية القرى أيضاً، وهذه القرى تتعايش مع القرى المجاورة منذ ألف سنة أو أكثر ومشاركتهم الحياتية عميقة جداً، ولذلك الرصيد للتعايش لا يزال باقياً، خاصة عندما يتضح لجميع الأطراف أن المحرك اسرائيل، وأنها هي وحدها كانت بصورة مباشرة وغير مباشرة تحرض هذه القرى بعضها على بعض أهل الجنوب موقفهم في مختلف الجهات كان مثالياً، أولاً، خلال ألف سنة كان موقفهم مع مختلف الأديان والمذاهب موقفاً سليماً، منفتحاً، رسالياً، وخلال فترة الحرب، سنتان في لبنان، في الجنوب كان الموقف جيداً وكل قادة الجنوب، وأنا أحد أفرادها العاديين، كنا نبذل جهوداً معينة في سبيل عدم حصول أي توتر أمني، وكنا نسعى في سبيل تحسين الوضع المعيشي للقرى المسيحية أكثر من القرى الاسلامية في المنطقة، بعد ذلك حصلت محاولات، اغراءات، تهديدات، ضغوط لكي يتعامل الجنوبي مع اسرائيل فرفض الجنوبي هذا الأمر، ومن مجموع هذه الأمور بإمكاننا أن نقول إن موقف الجنوبيين موقف وطني، لا طائفي، قومي، وكما قلت أكثر من مرة كاد أن يكون موقف تحدٍ أمام اللبنانيين جميعاً، لأنه من يتمكن أن يعيش في هذه الظروف القاسية، ومع ذلك يبقى بهذه الصورة الهادئة وهذه الأعصاب المتينة للعمل؟
في الوقت الحاضر لاشك أن الأمل بهذه المساعي القائمة، وسيجد الجيش اللبناني عندما يدخل الى الجنوب أن شعور المواطنين ووطنيتهم وتحملهم للمسؤوليات هي أكثر من أي منطقة أخرى رغم مرور هذه المحنة، ورغم مرور فترة اهمال من السلطات المركزية لوضعهم المعاشي، الاداري، ووضعهم الأمني بصورة خاصة. مع ذلك التزام الجنوبيين بالشرعية التزام كبير:
الإِمَامُ الصدْرُ وازْدِهَارُ الإِقْتِصَادِ فِي الجَنُوْب
كما كان هم الإمام الصدر في استقرار أمن الجنوب وسيادة الوطن ككل، فكذلك كانت مسألة الإقتصاد فيه تحتل جانباً كبيراً من مشروعه العام إذ أنه وبشكل خاص وفردي عمل جاهداً على تحسين الوضع المعيشي في ظل غياب الدولة عنه فأسس العديد من المؤسسات والمشاريع ليقضي على ظاهرة الفقر المتفشي بأهل الجنوب، وقد أشرنا إلى أهم الأدوار الإقتصادية والإجتماعية التي لعبها الإمام الصدر في الجنوب بوجه خاص، ولقد كان لديه مشاريع إقتصادية هامة، ولكن تطبيقها كان بحاجة إلى بعض أجهزة الدولة وإلى استقرار الوضع الأمني في الجنوب، ورداً على سؤال حول موضوع الإقتصاد في جنوب لبنان، قال الإمام الصدر:
طبعاً في الدرجة الأولى الليطاني، لأن مشروع الليطاني الى جانب كونه مشروعاً إنمائياً يروي 45،000 هكتار والزراعة، وما يستتبع الزراعة من خلال 45،000 هكتار من مختلف الشؤون، يغير وجه لبنان ويغير وجه الجنوب. هناك مشاريع أخرى من بحيرات اصطناعية في مثلث يارين كفرا يارون، هناك مشروع أوتوستراد، والسكة الحديد الذي يمكن العامل الجنوبي أن يعمل في بيروت ويعود لينام في بيته. طبعاً أوتوستراد من جهة، والسكة الحديد إما فوق الأرض وإما تحت الأرض، مشاريع الجنوب مدروسة وجاهزة وواضحة تماماً وليس هناك أمر غير معروف، هناك صناعات محلية كانت، وصناعات محلية صارت، والصناعات المحلية التي كانت: صناعة الفخار في راشيا وصناعة الأحذية في بنت جبيل، والصناعات التي صارت كانت في الواقع الصناعات التي أنا أسستها: صناعة السجاد العجمي والساريه والسجاد الحرير وغير ذلك، هذه الصناعات في الدرجة الأولى تتعمم على المناطق، ثم في المرحلة الثانية تصبح صناعات نصف آلية، ليس هناك مشكلة بالنسبة لخطة العمل في الجنوب:
الشيخ علي فقيه



