
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ{البقرة/71}
ثم أعطاهم نبيهم صفات أخرى فقال لهم إنها غير مذللة للحرث فهي غير مدربة على حرث الأرض، ويجب أن تكون سليمة مئة بالمئة لا عيب فيها على الإطلاق، ولا شية فيها يعني لا يوجد فيها نقطة واحدة من غير لونها، فعندما سمعوا منه ذلك تظاهروا بأنهم آمنوا بكلامه وارتاحوا له فقالوا له الآن جئت بالحق، وكأن ما جاء به من قبل كان من الباطل، فأتوا بتلك البقرة وذبحوها ولم يكن عندهم رغبة في ذبها، وهذا المراد بقوله(وما كادوا يفعلون)
إن بإمكان الله تعالى وقدرته أن يحيي هذا الميت وكل الأموات من الماضين بمجرد إرادته لذلك، ولكنهم بما أنهم تشددوا فقد شددّ الله عليهم فطلب منهم الإتيان ببقرة يذبحونها على ذكر الله ثم يضربون الميت ببعض لحمها فيحيا بإذن الله عز وجل.
ولكنهم جلبوا المتاعب لأنفسهم عندما طرحوا على نبيهم أكثر من سؤال حول البقرة التي يريدون ذبحها ولعله لم يكن السؤال من أجل الإستفسار بل من أجل الإستهزاء ووضع العراقيل في طريق الرسالة ولأجل ذلك كلفهم الله تعالى طاقة كبرى عندما طلب منهم مواصفات نادرة لم تكن موجودة إلا في بقرة واحدة على الأرض.
وفي ذلك ورد عن رسول الله(ص) أنه قال: ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم:
لقد فتشوا عنها طويلاً حتى عثروا عليها عند راع متمسك بها لم يقبل أن يبيعها إلا بوزنها ذهباً فوافقوا لأانهم مضطرون واشتروها بذلك الثمن الباهظ.
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ{البقرة/72}
يذكرهم الله تعالى بإحدى نعمه عليهم وبقدرته الباهرة التي بها يحيي الموتى، يذكرهم بذلك اليوم الذي قتلوا فيه واحداً منهم ثم أحياه الله بقدرته وخلصهم من تلك الحيرة التي كادت أن توقع الفتن بين قبائلهم، إن الله سوف يُخرج لكم الحق بعدما تنفذون ما أمركم به.
فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ{البقرة/73}
أتوا بتلك البقرة وذبحوها على اسم الله تعالى ثم قدموا إلى نبيهم وقالوا لها لقد ذبحنا البقرة كما طلبت منا فماذا نفعل الآن؟ فقال لهم إضربوه أي القتيل ببعض لحمها فضربوه ببعضها فعادت روحه إليه وانتفض قائماً وأخبرهم بالحقيقة، وكأن الله تعالى يريد أن يعطيهم نموذجاً عن يوم القيامة ويقول لهم هكذا يحييكم الله بعد موتكم فيجب عليكم أن تؤمنوا وأن تعملوا صالحاً، فماذا كانت النتيجة بعد إجراء تلك المعجزة التي يتفتت لها الصخر.
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ{البقرة/74}
كانت النتيجة أنهم بدل أن يؤمنوا ويشكروا كفروا بالله وقست قلوبهم فأصبحت أشد قسوة من الحجارة لأن الحجارة قد يخرج منها الماء وقد يخر الجبل من خشية الله أما قلوب بني إسرائيل فلا ينبع منها ذرة حب ولا عاطفة ولا خشية من رب العالمين، ولكن اعلموا أيها اليهود بأن الله عز وجل ليس غافلاً عما تعملون فإنه سوف يميتكم ثم ييحييكم ثم يعاقبكم أشد عقاب على عنادكم وكفركم وسوف يسألكم عن كل نعمة أنعم بها عليكم.
أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ{البقرة/75}
كان قوم من اليهود إذا التقوا ببعض المسلمين حدثوهم عما ورد في توراتهم من صفة رسول الله، فعلم كبارهم بذلك فنهوهم عن أن يحدثوا المسلمين بما يعرفونه عن رسولهم كيلا يحاجوهم بذلك ولعل ذلك هو سبب نزول هذه الآية الكريمة.
وكأن الله تعالى يريد أن يقول للمسلمين أيها المسلمون لا تنتظروا الخير من اليهود فإنهم لن يؤمنوا لكم لأنهم سوف يسلكون مسلك آبائهم وأجدادهم الذين رأوا المعجزات بأعينهم وسمعوا كلام ربهم عبر كتبه وأنبيائه ومع ذلك فلقد حرفوا كلام الله وكفروا بأنبيائه لأنهم قوم معاندون، وقد اقتضت عدالة الله تعالى أن يُنصف الله الفريق الذي لم يحرف كلامه ولهذا قال وقد كان فريق منهم ولم يشمل الجميع، ومن جملة ما حرّفه اليهود أنهم لدى عودتهم من جبل الطور قال بعضهم سمعنا أن الله قال لموسى إعملوا بأوامري قدر استطاعتكم واتركوها متى تعذر العمل عليكم بها.
وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ{البقرة/76}
ترتبط هذه الآية بالآية السابقة ولكنها أكثر تفصيلاً من سابقتها، فكثير من اليهود كانوا منافقين يتظاهرون بالإيمان أمام المسلمين، ولكنهم إذا اختلوا ببعضهم البعض نهوا بعضهم عن أن يحدثوا المسلمين بما فتح الله عليهم من معلومات خاصة برسول الإسلام كيلا يكون للمسلمين حجة على اليهود.
أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ{البقرة/77}
لا يخفى على الله شيء في السماء والأرض، وإن ظن اليهود بأنهم يخدعون الرسول والمسلمين فإن الله يعلم ما يسرون وما يقولونه لبعضهم البعض، ولهذا فضح الله أمرهم وأخبر رسوله عنهم، ويستوحى من سياق الآية الكريمة نوع من التهديد والوعيد لأن عاقبة هؤلاء سوف تكون وخيمة.
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ{البقرة/78}
هناك مجموعة من اليهود وصفهم الله تعالى بالأميين الذين لا يعلمون القراءة ولا الكتابة ولا يعلمون عن التوراة سوى القشور مما سهّل على علمائهم عملية الكذب عليهم والسيطرة عليهم، فهؤلاء لا يعلمون عن التوراة سوى الشيء اليسير وأغلب معلوماتهم ظن، وإن الظن لا يغني عن الحق.
فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ{البقرة/79}
قرر جماعة من علماء اليهود أن يغيروا ما ورد في توراتهم عن صفات رسول الله محمد(ص) كيلا يؤمن به الأميون لأن إيمان مجموعة من اليهود برسول الله تعني أن الأموال التي تتدفق على علماء اليهود من بسطائهم سوف تُمنع عنهم، فراحوا يكتبون توراة تتفق مع مصالحهم وقد كتبوا كتاباً بدلوا فيه جميع صفات رسول الله من أجل استمرار تدفق المال عليهم وهذا هو الثمن القليل المشار إليه في الآية الكريمة، ولكن نتيجة هذا العمل هي الويل لهم بسبب ما كتبت أيديهم من الباطل وبسبب ما حرفوا من الحق، ثم الويل لهم بما يكسبون من مال بطرق الكذب وويل لهم بما كسبت أيديهم من الحرام.
وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{البقرة/80}
إن غرور اليهود ومزاعمهم الكاذبة دفع بهم إلى اختلاق الأكاذيب حتى يظهروا وكأنهم شعب الله المختار حقاً، ولكن الله سبحانه لم يسكت عنهم بل كان في كل مرة يَدحض أكاذيبهم ويواجه ادعاءاتهم بالحق الذي ينزله على رسوله، يحاول اليهود أن يميزوا أنفسهم عن باقي البشر فحرفوا الحقائق واختلقوا الأكاذيب من أجل أن يثبتوا ذلك فلقد ادعى بأن المذنب منهم يختلف عن المذنب من غيرهم وأن المذنب منهم لن يعاقب بالنار سوى أيام قليلة ثم يدخل إلى الجنة ويتنعم فيها، وقد استهزأ الله بهم وبادعاءاتهم وسألهم إن كانوا قد أخذوا عهداً من الله بذلك، ثم تخبرنا الآية بأنه لم يعهد الله لهم بشيء من ذلك وإنما يقولون على الله الكذب.
بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{البقرة/81}
وهنا يرد الله ادعاءهم مبيناً لهم عدالته في خلقه، فلقد وعد الله المؤمنين بالجنة هم فيها خالدون وواعد الكفار نار جهنم خالدين فيها، ولا يستثنى من حكم الله فرد أو أمة أو قبيلة فالحكم الإلهي يشمل الجميع لأن الميزان الذي وضعه رب العالمين يفرض أن يكون المذنب مذنباً سوف يعاقب بذنبه وأن يكون المحسن من أهل الجزاء الحسن، ولهذا قال لهم(بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وليس الأمر كما يقول اليهود فهناك خلود للكافر في نار جهنم وما هو بخارج منها(كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) وإحاطة الخطيئة بالإنسان يعني انغماسه فيها بحيث تصبح جزءاً من حياته ووجوده.
وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{البقرة/82}
في مقابل الجزاء السيء الذي سوف يناله المجرمون في يوم النشور هناك جزاء حسن للمؤمنين الصادقين الذين آمنوا بالله حقاً والذين علموا بأن ما عند الله خير وأبقى وأن الدار الآخرة هي الهدف الأسمى من هذا الوجود، فكما يكتب الله الخلد في النار للكافر الظالم العاصي فكذلك يكتب الخلد في الجنان للمؤمن الذي يعمل الصالحات إلى جانب إيمانه بما يجب الإيمان به.
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ{البقرة/83}
لقد أخذ الله الميثاق من بني إسرائيل، والميثاق إما أن يؤخذ في عالم الذر قبل وجود الإنسان في هذه الحياة، وهذا ما شمل الناس جميعاً لأن الجميع يولدون مفطورين على التوحيد إلا أنهم يغيرون هذا المسلك بسبب طاعتهم للشيطان في الحياة الدنيا، وإلى هذا الميثاق العام أشار الله بقوله(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) فنلاحظ بأن الخطاب هنا موجه إلى كل بني آدم، أما الميثاق الذي نتحدث عنه فهو ميثاق خاص أخذه الله تعالى من بني إسرائيل في هذه الحياة عندما وعدوا أنبياءه أن ينفذوا جميع بنود هذا الميثاق ولكنهم أخلفوا كالعادة، فلقد أمرهم الله بعبادته وحده فراحوا يعبدون عجل السامري، وقد أمرهم بالإحسان إلى الوالدين والأقربين واليتامى والفقراء، فبخلوا ومنعوا الماعون، وأمرهم بأن يتعاملوا مع الناس بالإحسان وأن لا يقولوا إلا الحسن فلم يلتزموا بذلك ولم يقيموا الصلاة كما أمرهم ولم يدفعوا الزكاة كما أوجب عليهم فأعرضوا عن ذلك وهم يعلمون بأنهم يعصون الله في ذلك ويستحقون العذاب عليه ولكن عنادهم أوصلهم إلى هذه الدرجة.
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ{البقرة/84}
تشير هذه الآية إلى بنود لم تتعرض الآية السابقة إلى ذكرها وهي أن الله تعالى أخذ عليهم الميثاق بأن لا يسفكوا دماءهم من دون حق، ولكنهم سفكوا دماء بعضهم البعض وتجرؤوا على الأنبياء وقتلوهم وذبحوا الكثير منهم، وكانوا إذا استضعفوا قوماً منهم أخرجوهم من ديارهم واحتلوا دورهم واستولوا على ممتلكاتهم كما يصنعون اليوم في الأماكن التي أخرجوا أهلها منها وسفكوا دماء الأبرياء وسيبقى اليهود غارقين في هذه الروحية الشيطانية إلى يوم القيامة فلقد نشؤوا على الظلم والعدوان وسيستمرون في ذلك إلى يوم الدين.
ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ{البقرة/85}
رغم أن الله نهاهم عن القتل وعن إخراج الناس من ديارهم فإنهم لم يلتزموا بهذه الأحكام الإلهية فإذا كانت مصلحتهم في قتل فرد أو مجموعة أو أمة فعلوا ذلك من دون تردد، وكانوا إذا أسروا مجموعة من الطرف الآخرة فكوا أسرهم مقابل دفع الفدية، وهذه الأعمال محرمة على بني إسرائيل وغيرهم من الناس، ولم يأتنا كتاب سماوي إلا وأشار إلى هذه المحرمات، ولكن بني إسرائيل كانوا يأخذون من الكتاب ما ينسجم مع مصالحهم ويعرضون عما لا يتفق معه، فهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، وهذا النوع من الإيمان باطل عند الله فهو كفر إن لم نقل هو أشد من ذلك عند الله لأنه كفر يشمل النفاق والظلم والطمع والضغينة وكثيراً من صفات الشر، وقد حذرهم رب العالمين من الوقوع في هذه الأفخاخ الشيطانية مبيناً لهم أن نتيجتها هي الخزي في الدنيا والذل والمهانة، وأما في الآخرة فإن العذاب عليه شديد، ولكنهم ظنوا بأنهم قادرون على خداع الله فلم يعلموا أن الله محيط بهم يعلم سرهم ونجواهم، لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي.
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ{البقرة/86}
اشتروا الزائل بالباقي وآثروا دار العمل على دار الحساب والقرار ووسوس الشيطان لهم حتى خفّف المعصية في نظرهم فكانت نتيجتهم أنهم سوف يدخلون النار خالدين فيها ولن يخفف الله عنهم عذابهم لأن العذاب أتى بسببهم.
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ{البقرة/87}
يخبرنا الله تعالى في هذه الآية أنه منّ على كليمه موسى بالتوراة، وهو بذلك يحتج على خلقه بإنزال هذا الكتاب وببعث هذا النبي، ثم يخبرنا بأنه تابع بإرسال الرسل إلى الناس ليقوموا بالوظائف المطلوبة منهم تجاه خلق الله، وقد قام الأنبياء بتلك المهمات على أكمل وجه وتحملوا كل ألوان العذاب من أقوامهم، ثم خص الله روحه عيسى بالذكر ولعله لأنه من أنبياء العزم لأن الله تعلى فضّل بعض الرسل على البعض الآخر، وقد أخبرنا بأنه أيد عيسى بروح القدس، فمنهم من قال إن روح القدس هو الإنجيل، وقال بعضهم هو جبرائيل، وقال آخرون هو قوة غيبية سدد الله بها عيسى وكان يحيي الموتى بتلك القوة، ومهما يكن الأمر فإن عيسى(ع) مسدد بهذه الأمور الثلاثة.
وهنا يعاتب الله اليهود معاتبة العدو للعدو وليس عتاب المحب لحبيبه فيخبرهم بأنه كلما أتاهم رسول فإن كان كلامه مما لا يروق لهم استعملوا مع هذا النبي إحدى وسيلتين، إما أن يقتلوا شخصيته أو يقتلوا شخصه، وقتل الشخصية يتم عبر التكذيب والإستهزاء والحول بينه وبين القيام بمهامه، وأما قتل الشخص فهو إزهاق روحه عبر سفك دمه، فإن رأى اليهود بأن مصالحهم تتحق من خلال قتل الشخصية فقط كانوا يقتلون شخصيته، وأما إذا كان وجوده يشكّل خطراً على مصالحم كانوا يعمدون إلى قتله.
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ{البقرة/88}
كان إذا بعث الله تعالى نبياً إلى بني إسرائيل يقف اليهود في وجهه ويطلبون منه المعجزات، فكان إذا أتاهم بكل ما سألوا قالوا له مستهزئين إن قلوبنا غلف لا تفقه ما تقول ولا تريد أن تفهم أو تعمل، ولهذا غضب الله عليهم ولعنهم بسبب كفرهم، فكثير منهم كافرون وقلة آمنت بالله.
وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ{البقرة/89}
كان اليهود على علم ببعض التفاصيل التي سوف تحدث مع خاتم الأنبياء الذي يعرفونه من خلال أوصافه المذكورة عندهم في التوراة، وكانوا يقولون إذا بُعث هذا النبي فسوف نتبعه وننتصر به على من ظلمنا، ولقد جاءهم ما عرفوا، لقد جاءهم رسول الله مبشراً ونذيراً فكان اليهود أول كافر به بعدما كانوا يتغنون بأنهم سيكونون من أتباع، والسبب هو غلف قلوبهم والنظر في مصالحم فلو كانت مصالحهم تقتضي إظهار الإيمان أظهروه أو إنكاره أنكروه ولأجل تلك النفسيات المريضة استحقوا لعنة ربهم عليهم بجدارة.
وجاء في سبب نزول هذه الآية أن اليهود كانوا يجدون في كتبهم مكان هجرة رسول الله(ص) وهي ما بين جبلي عَير وأحد، فخرجوا يطلبون ذلك الموضع حتى وصلوا إلى جبل يسمى حداد، فقال بعضهم إن حداد وأحداً سواء فعندها تفرقوا فنزل بعضهم بتيماء وبعضهم بفدك وبعضهم بخيبر فأراد سكان تيماء زيارة أقاربهم فاستأجروا من يدلهم على الطريق فدلهم على المدينة فنزلوا عن ظهر إبله وقالوا: قد أصبنا بغيتنا فلا حاجة بنا إلى إبلك فاذهب حيث شئت، وكتبوا إلى إخوانهم الذين بفدك وخيبر أنا قد أصبنا الموضع فهلمّوا إلينا فاستقروا فيها فغزاهم تبّع وقد استطاب بلادهم فأنكروا عليه ذلك مدعين بأنها أرض هجرة نبي سوف يبعثه الله فليس لك ذلك حتى يأتي النبي الموعود فخلّف فيهم الأوس والخزرج وكانوا يأخذون من اليهود أموالاً وكانت اليهود تقول لهم: أما لو بعث محمّد لنخرجنكم من ديارنا وأموالنا، فلما بعث الله محمّداً(ص) آمنت به الأنصار وكفرت به اليهود، وهو قوله تعالى: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا:
بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ{البقرة/90}
عندما بعث الله خاتم أنبيائه إليهم اغتموا لأنه لم يكن منهم وقد أنزل الله كتابه على غيرهم فوبخهم الله بما اشتروا به أنفسهم فلقد اشتروا الكفر بالإيمان وحاربوا رسول الله بعدما كانوا يستفتحون به ويستنصرون به على أعدائهم فأصبحوا محط غضب الله ووعيده، إنهم أحفاد الذين غضب الله عليهم، وقد أضافوا إلى ملف أسلافهم غضباً على غضب حين واجهوا رسول الله وكفروا به.
الشيخ علي فقيه



