
عُمُرُ الكَوْن
لم يكن هذا الكون موجوداً منذ الأزل بل أوجده الله تعالى في زمان لا يعرفه إلا هو سبحانه، وهذا من جملة الأسرار التي احتفظ الله بها لنفسه.
وكالعادة فإن كثيراً من الباحثين حاولوا أن يبرزوا عضلاتهم الفكرية والإستنتاجية ويطرحوا بعض الأرقام عن عمر هذا الكون اعتماداً منهم على الآثار التي اكتشفوها عبر التنقيب والتي يعود تاريخها إلى ملايين السنين، وقد اكتشفوا العديد حتى الآن من الحيوانات الضخمة والحشرات الصغيرة التي يزيد عمرها على مئة مليون سنة، ولكنهم بما أنهم عجزوا عن اكتشاف شيء قبل تلك المخلوقات استحسنوا أن يكون عمر الأرض متقارباً مع أعمار تلك المخلوقات، وهذا عين الجهل حيث لا يمكن التعويل في ذلك على تلك المكتشفات التي قد يفصل بينها وبين خلق الكون مليارات السنين، وكما رددنا تحديد سعة الكون إلى خالقه فكذلك نفعل في تحديد عمره.
وعلى سبيل المثال نذكر لكم بعض الدراسات التي لا نعتمد عليها لأن أغلبها قائم على التكهن المرفوض في عالَم المنطق والإستدلال، وبعد ذكرها نقارن بينها وبين النظرة القرآنية فنصل إلى المطلوب، ولكن لا يمكن الإجابة على كل نظرياتهم ضمن عنوان واحد بل سوف يتم الرد عبر ذكر أكثر من بحث.
أولاً: ذكرت إحدى الدراسات ما يلي:
إن الكون الذي نعيش فيه هو كون في توسع وازدياد مستمر، وكل شئ فيه يتحرك، ولا شئ ثابت مطلقاً، نستدل على ذلك من مراقبة المجرات ومجموعات المجرات التي تنتقل بثبات وكلٌ على حدة في الكون، هذا التوسع يحدث منذ ان تَشَكّل الكون قبل حوالي 14 بليون سنة في حدث كثيف وحار جداً والمعروف بالإنفجار العظيم.
ونحن نرى بأن هذه النظرية موافقة للنظرة القرآنية إلا في موضوع تحديد عمر الكون الذي قدّروه بحوالي 14 بليون سنة.
ثانياً: نأتي الآن إلى كلمة الكون، فتشمل كلمة الكون كل شئ كائن في حيز معين سواء أكان منظوراً أم غير منظور، موجوداً حالياً ونحس به، أو سيوجد لاحقاً، وما نعلم عنه أو في علم الغيب، وبمعنى أشمل: كل شي محيط بنا يشملنا ويشمل السماء علمي أو غيبي والناتج عن حقيقتين هما علمنا بالشئ وإيماننا بالغيب الذي ذكر في ديننا.
أما الكون الذي يمكن أن نراه بحواسنا العادية، فيمكن أن يعرف على أنه كل شئ موجود، أو سيوجد نتيجة عن الموجود، وطبقا لهذا التعريف وفهمنا الحالي لهذا المعنى، فإن الكون يشمل ثلاثة عناصر الزمان والمكان (الزمكان)، المادة والأشكال المختلفة من الطاقة التي تملأ هذا الزمكان، والقوانين الطبيعية التي تحكم كلاً من الزمان والمكان، أو بتعريف آخر وهو أن الكون المرئي هو كل شئ ضمن الزمكان المرتبط بنا والذي يمكن أن يتفاعل معنا والعكس صحيح.
ولك أن تعلم أن 25 % من الكون يحتوي على المادة السوداء الغامضة والتي لانعلم عنها شئ حتى الآن، وحوالي 70 % طاقة مظلمة غامضة أيضاً لانعرف عنها شئ ولكنها قد تكون من تأثير تلك المادة الغامضة، أما الباقي وهو حوالي 5 % فهذا هو الكون المنظور والمرئي لنا.
ونحن بدورنا لا نرى أي خلاف بين هذا الكلام والمنطق القرآني الذي نؤمن به ونسير على أساسه.
ثالثاً: تمكنت ناسا من تحديد عمر الكون على وجه الدقة بمساعدة مجس فضائي، قائلة إنه يبلغ 13.7 مليار عام كما إستطاعت تحديد تاريخ بدء النجوم بالتوهج واللمعان بأنه بدء بعد 200 مليون عام فقط من”الانفجار العظيم” وقد تمكن علماء ناسا بواسطة المجس الفضائي ان يتعمقوا في الزمن والنظر الى الكون (النظر إلى الوراء حتى 380 ألف عام بعد الانفجار العظيم) عندما لم تكن هناك نجوم ولا مجرات ولا شيء سوى فروق طفيفة في درجات الحرارة.
وقال العلماء إن هذه الفروق الطفيفة المتناهية بالصغر التي تبلغ جزءاً من مليون جزء من درجة الحرارة المئوية الواحدة كانت كافية لتكوين بقع هائلة حارة وباردة والتي كانت النواة التي تشكل منها للكون بعد ذلك، وقد اظهرت الصور التي ارسلها المجس أن الكون عبارة عن شكل بيضاوي منقط ويشير اللونان الأصفر والأحمر فيها إلى المناطق الحارة واللونان الأزرق والفيروزي إلى المناطق الباردة.
وقد أعلن فريق من علماء الفلك السويسريين والفرنسيين أنهم عثروا على أبعد مجرة تكتشف حتى الآن، وهي مجموعة نجوم ترجع إلى فجر الكون وتبعد 13.2 مليار سنة ضوئية عن الأرض، وتكشف الصور التي حصلوا عليها مجرة عندما كان عمر الكون 470 مليون سنة فقط، وستساعد العلماء في معرفة كيف تشكلت.
لا شك بأن هناك فوارق كثيرة بيننا وبينهم ولا أرى من داع لذكر كل تلك النظريات كيلا نخرج عن صلب موضوعنا المبحوث عنه، غاية ما أريد قوله هو أنه لا ينلغي أن نستسلم لتلك النظريات ما لم تكن مدعومة بالأدلة العلمية المنطقية بشرط عدم مخالفتها لظواهر القرآن الكريم.
الشيخ علي فقيه



