كبائر الذنوب

سلسلة كَبَائِر الذُنوب

شُرْبُ الخَمْر

 

 

شُرْبُ الخَمْر

 

إن شرب الخمر من كبائر المحرمات، وقد ورد تحريمه في الكتاب العزيز صريحاً.

قال سبحانه(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) وقال عز وجل(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ)

ولا تختص حرمة شرب الخمر بكمية معيّنة فإن حكم النقطة فيه كحكم الجرّة، فقليله حرامٌ مثل كثيره، وما كان كثيره مسكراً فقليله حرام، وهو حرام أيضاً حتى لو لم يتأثر به بعض الناس كالمدمنين عليه.

وقد وردت نصوص كثيرة في بيان حرمة شرب الخمر وكونه من كبائر الذنوب، فقد قال رسول الله(ص) مبيّناً لنا مدى قبح الخمر: لعن الله الخمر وعاصرها وغارسها وشاربها وساقيها وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها وحاملها والمحمولة إليه:

وقال(ص) : لا تُجمَعُ الخمر والإيمان في جوفِ أو قلب رجل أبداً:

 

 

أحكامٌ تَتَعَلَقُ بِشُرْبِ الخَمْر

 

لقد ورد في حديث رسول الله(ص) لعنٌ لمجموعة من الناس، وهم الذين يتعاونون على الإثم والعدوان، وإن أي محرَّم من المحرمات يحرم هو وجميع مقدماته، وفاعل الحرام كالممهد له، فإذا يسّر لك أحد ركوب بعض المحرمات فهو شريك معك فيه.

وهنا نود أن نبيّن الشركاء في إثم الخمر لتكون الفكرة أوضح والحجة أبلغ، وكيلا يقول أحد: لا دخل لي بالأمر: فعند بيان الشركاء يظهر لك أنك إذا كنت شريكاً في هذا الذنب أو لا.

فلقد عدَّ الرسول(ص) من شركاء الخمر تسعةً، كلهم أصحاب ذنب كبير:

الأول: وهو الذي يغرس الشجرة بهدف عصر الخمر منها، كمن يغرس العرائش من أجل أن يصنع من عنبها الخمر، فإن نفس عملية هذه الغرس محرَّمة عند الله عز وجل، ومن المعاونين للشريك الأول الذين يساعدونه في حرث الأرض وغرس الشجرة والساقين لها والمهتمين بها فإن جميع هذه الأعمال هي في الواقع مقدمات للحرام، ومن هنا كان من اللازم على المؤمن أن يراقب الأمور بدقة متناهية.

الثاني: وهو الذي يعصر المواد التي يُصنع منها الخمر، وهنا لا ينبغي له أن يلقي الأعذار والحجج بأنني إذا لم أعصر له العنب للخمر فسوف أموت جوعاً، نحن نقول له: إبتعد عن ذلك ونحن نضمن لك أن لا يتخلى ربك عنك لأنك إن كنت مع الله كان الله معك.

الثالث: شارب الخمر: ولا شك في هذا بكونه مرتكباً للذنب الكبير، وهو في الحقيقة فاعل وليس شريكاً أي أنه من المذنبين الأساسيين المباشِرين للذنب.

الرابع: الساقي، وهو الذي يصب الكؤوس لشاربي الخمر، سواء كان يقدمها مجاناً أو كان ذلك عمله الذي يعتاش منه.

الخامس: بائع الخمر: فلا يجوز بيع الخمر بأي وجه من الوجوه، وإن كانت الظروف المعيشية صعبة.

السادس: وهو الذي يشتريها سواء كان لنفسه أو لغيره فإن نفس شراء الخمر عمل محرم.

السابع: الذي يأكل ثمنها: بمعنى أنه لو أعطاه أحدهم مالاً هو يعلم أنه مال خمر فلا يجوز له أخذ هذا المال.

الثامن: الذي ينقل الخمر من مكان إلى مكان، فهذا عمل محرم أيضاً.

التاسع: وهو المنقولة إليه، فهو يرتكب الحرام قبل شرب الخمر وعند شربه.

ومعنى ذلك كله أن شرب الخمر ظلم عظيم وذنب كبير لا يجوز الإقدام عليه بوجه من الوجوه إلا في حالة الإضطرار الشرعي الذي يحدده الفقهاء.

 

الحِكْمَةُ مِنْ تَحْرِيمِ الخَمْر

 

قد يتوهّم البعض أن منشأ الحرمة في شرب الخمر ضرره، وهو غير صحيح، لأن هناك من لا يضر الخمر بهم، فهذه ليست قاعدة عامة، وقد يقال: إن منشأ الحرمة هو السُكر، فنقول: هناك أشخاص مدمنون على الخمر فلا يسكرون بشربه، أو أنه لو شرب الرجل نقطة من الخمر فلن تؤدي تلك النقطة إلى السكر، وبهذا يتبين لنا أن سبب الحرمة ليس السكر، ولا شك بأن الله تعالى أراد أن ينزهنا عن الخمر الذي من شأنه أن يزيل العقل في الغالب، غير أن الحكمة الأساسية من تحريمه غير معلومة، والمعلوم لدينا هو أن الله تعالى يُبغض شرب الخمر، وهذا أهم سبب وحكمة لتحريم شرب الخمر.

 

كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ

 

لا تختص الحرمة بالخمر فقط، فإن هناك مسكرات ليست خمراً كالحشيشة والأفيون والكوكايين وغير ذلك من المسكرات الجامدة، فجميعها من كبائر الذنوب، ونفس ما يقال في الخمر يقال في هذه الأنواع من المسكرات.

 

مَنْفَعَةُ الخَمْر

 

قال سبحانه وتعالى(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا)

إن إخبار القرآن الكريم عن إثم الخمر والميسر ووصف إثمهما بالكبير لَدليلٌ واضح على كونهما من الكبائر، وموضع التساؤل في الآية الكريمة هو المنفعة في الخمر والميسر، فما هي هذه المنفعة؟ ونحن نعلم أن هذه الآية موضع نقاش بين كثير من الناس الذين يتعجبون من هذه الآية الكريمة كونها أعطت لوناً جميلاً للخمر والقمار من خلال بيان المنفعة فيهما، فعندما يصف القرآن أمراً كهذا فإنه يصفه من الناحية التكوينية الطبيعية فلا أحد يُنكر بأن كثيراً من الناس يستفيدون من الخمر عندما يبيعونه، ولا شك بأن كثيراً منهم يستفيدون من مال المقامرة عندما يربحون، ولكن هذه المنفعة سرعان ما تزول لأنها قامت على وجه غير شرعي، فالمال الذي يأتي من تجارة الخمر أو من المقامرة لا بركة فيه لأنه سوف يذهب بألف وسيلة ووسيلة، ويمكن لنا الإستقراء عن هذا الموضوع وعندها سوف نجد أهل هذه التجارة المحرمة في حالة من الحيرة والتشرذم لأن هذه هي النتيجة الطبيعية للكسب من الحرام بوجهٍ عام وللكسب من الخمر والقمار بوجه خاص.

ومثل ذلك ما ورد في قوله تعالى(وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) فهذا إخبار عن الواقع الذي عليه الناس، وليس تشريعاً لصناعة الخمر أو شربه كما يتعمّد بعض الناس الدخول في هذا الوهم.

 

شُرْبُ الخَمْرِ أُم الفَوَاحِش

 

هذا هو الحال الذي عليه واقع الخمر لأنه مفتاح الشر، فإذا زال عقل الإنسان بشرب الخمر فقد ذهبت منه الإنسانية بجميع معانيها لأنه عندما يشرب الخمر فإنه ينزل بروحه إلى أحط المستويات الوضيعة التي أراد ربه تعالى أن ينزهه عنها عندما حرّم عليه الحرام بشكل عام، والخمر بشكل خاص.

فقد وصف رسول الله(ص) الخمر بقوله: الخمر أُمُّ الفواحش والكبائر:

وقال(ص) : الخمر أُمُّ الخبائث:

وقال(ص) : الخمر جِماعُ الإثم وأم الخبائث ومفتاح الشر:

وقال(ص) : جُمعَ الشرُّ كله في بيتٍ، وجُعل مفتاحه شرب الخمر:

وقال الإمام الصادق(ع) : شربُ الخمر مفتاح كل شر، وشارب الخمر مُكّذِّبٌ بكتاب الله عز وجل، ولو صدَّق كتاب الله حرَّم حرامه:

 

شُربُ الخَمْرِ فِي المُنَاسَبَات

 

هناك عادة سيئة يتعاطى بها الناس في حياتهم تجاه موضوع شرب الخمر، فتراه يحمد الله على أنه غير مدمن لأنه لا يشرب الخمر إلا في المناسبات، كليلة رأس السنة، وكأن الله تعالى يزول في المناسبات، وكأن أقلام الملائكة تتوقف عندها، ألا تحتمل يا من تشرب الخمر في المناسبات فقط أن تموت وأنت تشرب الخمر؟ فإن قلت لا فقد كذبت على نفسك قبل أن تكذب على غيرك لأن كل الناس لا يعلمون لحظة انتقالهم إلى عالَم الآخرة، وإن قلتَ: نعم، فما هذه الجرأة على ارتكاب معصية يمكن أن تكون مفتاح الشقاء لك، فلو أدركك الموت وأنت تشرب الخمر في المناسبة المعيّنة ألم تكن حياتك قد خُتمت بالمعصية؟ والذي تُختم حياته بالمعصية كان مصيره إلى النار، لأن الأمور بخواتيمها.

وهناك عذْرٌ آخر يتذرع بها أحباء الخمر، وهو أنهم يُرضون الآخرين وخصوصاً إذا كان بينهم عمل تجاري أو عمل سياسي أو إجتماعي، نحن نعجب لهؤلاء كيف يُرضون الناس ويخالفون رب الناس، فإن رضا الله تعالى أولى، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذا الذي ترضيه بشرب كوب من الخمر لن يغني عنك من الله شيئاً في يوم القيامة، حيث لا تزر وازرةٌ وزر أخرى، أو كالذي يقول: أنا لا أشرب الخمر، ولكنه يجلس على مائدة أو طاولة يُشرَب عليها الخمر، فالحكم واحد في جميع الحالات، وبدل أن نأتي بتلك الأعذار الموهومة فلنطع الله تعالى قبل أن يدركنا الأجل فلا يعود لنا توبة، وهذه هي أعظم الخسارات.

قال رسول الله(ص) : مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يُشرب عليها الخمر:

وقال(ص) : ملعونٌ ملعون مَن جلس طائعاً على مائدة يُشرب عليها الخمر:

وقال أمير المؤمنين(ع) : لا تجلسوا على مائدة يُشرب عليها الخمر فإن العبد لا يدري متى يُؤخَذ:

 

عَاقِبَةُ شَارِبِ الخَمْر

 

قال رسول الله(ص) : يجيء مدمن الخمر يوم القيامة مُزرقةً عيناه مسودّاً وجهه مائلاً شِقُّه يسيل لُعابُه:

وقال(ص) : يخرج الخمّار من قبره مكتوبٌ بين عينيه :آيسٌ من رحمة الله:

وقال(ص) : والذي بعثني بالحق نبياً إن شارب الخمر يأتي يوم القيامة مسوداً وجهه يَضرب برأسه الأرض وينادي: واعطشاه:

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى