
زِيَارَةُ القُبُورِ وَأَثَرُهَا عَلَى النفْس
قبل البدء بالكلام عن مرحلة القبر وما يرى الإنسان فيه بعد أن يدفن، فإنه يُستحسن الكلام حول زيارة القبور لأنه موضع نقاش بين الأطراف الإسلامية، إذ أن منهم من يعتبر ذلك سنّة، ومنهم من يعتبره بدعة، وقبل البدء بهذا الموضوع نلفت النظر إلى مسألة البناء فوق القبر، فإننا إذا دخلنا إلى المقابر وبالأخص في المناطق الراقية نجد بأن التنافس بين أصحاب المال والنفوذ وصل إلى القبور، فهم يحاولون أن يجعلوا من قبور موتاهم قصوراً مصغرة وذلك من باب المفاخرة والتعالي على الآخرين، مع أن هذا الأمر مبغوض في الشريعة لأنه خلاف المستحب، والمستحب هو أن لا يرتفع القبر عن الأرض أكثر من أربعة اصابع.
والإنسان المؤمن ينبغي عليه أن يسعى لكسب الموعظة فإذا كانت زيارة القبور مؤثرة فيه فليزر المقابر كلما أتيحت له الفرصة، ونحن نؤمن بأن زيارة المقابر أمر مشروع، وفيه من الفوائد الدنيوية والأخروية ما يزيد عن تصور البعض.
إن هدفنا من زيارة القبور شيء، وهدف الذين يمنعونها شيء آخر، أما هدفنا من زيارة القبور فهو الأجر والثواب واكتساب الموعظة والتفكير في شأن الآخرة، وأما هدف الذين يمنعون من زيارتها فهو التعييب على الموالين الذين يسافرون من بلد إلى آخر ليتبركوا بقبور المعصومين(ع) وأضرحتهم، والسبب واضح لم يعد قابلاً للشك والجدل، وأمام هذا الوضوح نحن ننصح أولئك بالرجوع عن القول بالحرمة أو الكراهة، لأن ادعاء الحرمة منهم صدر عن غير علم، ومن دون دليل، ما نمنعه نحن بالنسبة للمقابر هو أن تتحول تلك الأمكنة الخاصة إلى مرتع لأصحاب المطامع، أما مبدأ زيارة القبور فهو أمر مشروع، بل هو في نظر أهل المعرفة ضروري بسبب أهمية دوره في التأثير على النفس والقلب، فإن هذا القلب إذا قسا ودخل صاحبه إلى المقبرة تذكر اليوم الآخر وقدرة الله تعالى، وربما من خلال الدخول إلى المقبرة يعتبر الإنسان ويتوب من ذنوبه، أما الذين يخافون من الدخول إلى المقبرة أو يخافون من الميت فهم الذين لا يريدون أن يعظوا أنفسهم، فإذا كان مصدر خوفهم من الموتى هو الخوف من الله تعالى فلا بأس به حينئذ، وهنا نطرح سؤالاً مهماً حول موضوع الخوف من الميت أو القبر، كلنا نعرف بأن الميت لا يتحرك ولا يؤذي ولا يصنع أي شر، وكلنا نعرف بأن القبر عبارة عن أحجار وتراب تلقى على الميت الذي ربما لم يعد له وجود داخل القبر حيث تأكل الدود لحمه وتشرب دمه ويتحول عظامه إلى رفاة وتراب يختلط بتراب الأرض، فإذا كان الواقع هو هذا فما الذي يجعلنا نخاف من الميت أو المقبرة؟ ما يخيفنا هو الموت وليس الميت، والذي يخيفنا من المقابر هو أننا عند الموت سوف نسكنها.
لم نجد ما يمنع من زيارة القبور، بل على العكس قلقد وجدنا حثاً من النبي وآله(ص) على زيارتها، فلو لم تكن تلك الزيارة نافعة للإنسان لما شرّعها الله ورسوله.
لقد كان النبي وآله يزورون القبور، ويسلِّمون على سكانها، وقد أعطوا الكثير من المواعظ للناس على المقابر لأنها ظرف مؤثر.
قال علي(ع) : زوروا موتاكم فإنهم يفرحون بزيارتكم، وليطلب الرجل حاجته عند قبر أبيه وأمه بعدما يدعو لهما:
وقد مر أمير المؤمنين على مقبرة فسلّم على أهلها وقال: : السلام على أهل لا إله إلا الله من أهل لا إله إلا الله يا أهل لا إله إلا الله كيف وجدتم كلمة لا إله إلا الله يا لا إله إلا الله بحق لا إله إلا الله إغفرلمن قال لا إله إلا الله واحشرنا في زمرة من قال لا إله إلا الله:
الشيخ علي فقيه


