الشَّهَادَة فِي القَضَاء
يأمرنا ربنا عز وجل بالشهادة الصادقة والعادلة، ويحرِّم علينا الشهادة الكاذبة أو كتمان الشهادة، فإن للشهادة بالحق والقسط دوراً كبيراً في استمرار الحياة بشكلها الطبيعي.
قال سبحانه(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)
يوجد في هذه الآية الكريمة ثلاثة أشياء أساسية:
الأول: الأمر بالشهادة العادلة، فلقد أمرنا ربنا بإظهار الشهادة الحق وأن نكون أقوياء وتماسكين عند أدائها، وأن لا نخشى في بيانها أحداً إلا الله عز وجل، حتى لو كان إبداء الشهادة ليس من مصلحتنا أو مصلحة أبائنا وأمهاتنا وأولادنا وأقاربنا، وحتى لو كانت الشهادة ضد الغني الذي يدعمنا بالمال، فعند الشهادة يجب أن نتجاوز كل تلك المراحل والعناوين كيلا تقف حائلاً بيننا وبين إظهار الحق.
الثاني: النهي عن اتباع الهوى، وذلك بأن نؤثر طاعة المخلوق على الخالق عبر تحريف الشهادة أو كتمانها فإن ذلك من كبائر الذنوب التي واعد الله عليها النار.
الثالث: التحذير من التزوير من أجل إرضاء بعض الأطراف، كما يصنع كثير من الناس في هذه الأيام حيث يجعلون الباطل حقاً والحق باطلاً من أجل أن يبرّؤوا بعض المجرمين لقربهم من بعض المسؤولين أو كانوا هم المسؤولين، ويتهموا بتلك الجرائم بعض الأبرياء الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة، وهنا يواعد الله العذاب بشكل واضح فيقول(فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) وهذا الكلام يتضمّن تهديداً واضحاً لا غبار عليه.
وقال سبحانه(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ)
لا ينبغي أن يكون هناك موانع تمنعنا من بيان الشهادة لأن رضا الله تعالى فوق رضا الجميع، فلا يجوز أن نطيع المخلوق ونعصي الخالق فإن ذلك ذنب عظيم، وإن تحريف الشهادة أو كتمانها ليس من العدل، ولا هو من الدينن ولا من الأخلاق الفاضلة، فالعدل أقرب للتقوى.
وقال تعالى(وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ) وقال عز وجل(وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) وقد حثّنا رسول الله(ص) على إظهار الشهادة مبيّناً لنا عاقبة ذلك في يوم الحساب، حيث قال(ص) : مَن شهد شهادة حق ليحييَ بها حق امرئٍ مسلم أتى يوم القيامة ولوجهه نورٌ مدَّ البصر يعرفه الخلايق باسمه ونسبه:
المُبَادَرَةُ إِلَى بَيَانِ الشَّهَادَة
ينبغي على الإنسان المؤمن أن يبادر إلى إظهر الشهادة قبل أن يُسأل عنها فإن ذلك ضربٌ من ضروب الخشية من الله عز وجل، وعندما يُدعى إليها تصبح الضرورة ملحة أكثر، حيث نعانا رب العالمين سبحانه عن التقاعس في الشهادة، فهي أشبه بأمانة يجب أداؤها، قال تعالى(وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ)
ولذا ورد عن رسول الله(ص) أنه قال: خير الشهادة ما يشهد بها صاحبها قبل أن يُسألها:
وقال أمير المؤمنين(ع) : أي من كان في عنقه شهادة فلا يأب إذا دعيَ لإقامتها، وليُقِمْها ولينصح فيها، ولا يأخذه فيها لومة لائم، وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر:
وقال الإمام الصادق(ع) : إذا دُعيت إلى الشهادة فأجِب:
وقال الإمام الكاظم(ع) في قوله تعالى( ولا يأب الشهداء…): إذا دعاك الرجل تشهد على دَينٍ أو حقٍ لا ينبغي لأحد أن يتقاعس عنها:
كِتْمَانُ الشَّهَادَة
النهي في القرآن الكريم عن كتمان الشهادة واضح، وهو حجة على كل إنسان، وقد ذكر الله عز وجل هذا النهي أكثر من مرة، مشيراً إلى عاقبة كتمانه عنده بلفظ التهديد والوعيد حيث قال في محكم كتابه(وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)
وفي بيان قبح هذا الكتمان وصف الله عز وجل كاتم الشهادة بأظلم الناس حيث قال سبحانه(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)
وقال تعالى(وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ)
ينبغي على المؤمن خصوصاً أن يتحلى بالجرأة الكاملة، وأن لا ينظر حين الشهادة إلا لله وحده، لأنه عند بيانها أو كتمانها هو مخيَّرٌ بين الجنة والنار، فإما أن يظهرها ويتحمل التبعات ويكون الله حسبه ويكون جزاؤه كريماً عند ربه، وإما أن يخاف الناس فيخسر الدنيا والآخرة، والله تعالى أحقُّ بالخشية من غيره(فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً)
وقد ورد عن رسول الله(ص) أنه قال: من كتم شهادة، أو شهد بها ليهدر بها دم امرئ مسلم، أو ليُتويَ بها مال امرئ مسلم، أتى يوم القيامة ولوجهه ظلمةٌ مدَّ البصر، وفي وجهه كُدوحٌ تعرفه الخلائق باسمه ونسبه:
وعنه(ص) قال: من كتمها(أي الشهادة) أطعمه الله لحمه على رؤوس الخلائق…
وعنه(ص) قال: من كتم شهادة إذا دُعيَ إليها كان كمن شهد بالزُّور:
وفي قوله تعالى(وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) قال الإمام الباقر(ع) : كافرٌ قلبه:
وفي قوله تعالى(ولا يأب الشهداء) قال الإمام الصادق(ع) : قبل الشهادة، وفي قوله تعالى(وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) قال(ع) : بعد الشهادة:
شَهَادَةُ الزوْر
لا شك بأن صاحب شهادة الزور إنسان مجرم ومتجرئ على الله عز وجل، لأن شهادته قد تجر إلى المصائب لأنه سوف يظلم المظلوم وينصر الظالم، وإنه لأقبح سلوك يصدر عن الإنسان، فإذا فعل الإنسان ذلك فقد خرج عن نطاق الإنسانية إلى مرحلة البهيمية، فلو لم يكن هناك حكم وارد في بيان حرمة شهادة الزور فإن نفس واقع هذه الشهادة يجب أن يردع الإنسان عنها لأنها سلوك قبيح وخُلُقٌ سيّئٌ للغاية لا يمكن أن يُطاق بوجه من الوجوه.
وقد ظهرت لنا عاقبة شاهد الزور من كلام الرسول(ص) وكلام أهل بيته الأطهار(عليهم السلام) بشكل واضح وجلي، فلقد ورد عن رسول الله(ص) أنه قال: من شهد شهادة زور على رجل مسلم أو ذِمِّي أو مَن كان من الناس، عُلِّق بلسانه يوم القيامة، وهو مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار:
وقال(ص) : إنّ أبغضكم إليَّ وأبعدكم منّي ومن الله مجلساً شاهد الزور:
وقال(ص) : يُبعث شاهد الزور يوم القيامة يَدلع لسانَه في النار كما يدلع الكلب لسانَه في الإناء:
وقال الإمام الباقر(ع) : ما من رجل يشهد شهادة زور على مال رجل مسلم ليقطعه إلا كتب الله عز وجل له مكانه صكّاً إلى النار:
وقال الصادق(ع) : شاهد الزور لا تزول قدماه حتى تجب له النار:
الشيخ علي فقيه



