كبائر الذنوب

سِلْسِلَةُ كَبَائِرِ الذنُوْب

البُهْتَان

 

 

البُهْتَان

 

البهتان أشد قبحاً وأسوأ عاقبةً من الغيبة، لأنه يشتمل عليها وزيادة، فإن مضمون الغيبة قد يكون أمراً واقعياً، وذلك عندما تذكر عيباً موجوداً في الإنسان وهو مستور، أما البهتان فإنه غيبة لا واقع لها، وهنا يكمن السر في شدة قبح البهتان لأنه يشتمل على الغيبة والكذب في آن واحد، ناهيك عن الأذى النفسي الذي سوف يُحدثه البهتان في نفس المبهوت، ومن هنا كان لسان المواعدة على البهتان أشد من لسان المواعدة على الغيبة.

إن الذي يقوم بهذا الفعل الشنيع قد أسقط نفسه من مستوى الإنسانية ونزل بها إلى أوضع مستوى يمكن أن يتصوره عقل، لأن البهتان من أبشع الجرائم التي تُرتكب في حق الإنسان.

والحكم الإلهي في هذا المجال واضح حيث قال سبحانه(وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) وقال عز وجل(وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا)

والمواعدة في كلتا الآيتين واضحة، وقد أوضح الرسول(ص) هذه المواعدة أكثر كما ورد عنه قوله: مَن بهت مؤمناً أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه أقامه الله تعالى يوم القيامة على تَلٍّ من نار حتى يخرج مما قاله فيه:

وعنه(ص) : من قال في امرء مسلم ما ليس فيه ليؤذيه حبسه الله في ردغة الخَبال يوم القيامة حتى يقضي بين الناس:

وفي بيان شدة قبح البهتان فقد صوّر لنا الإمام علي(ع) هذه العملية بقوله: البهتان على البريء أعظم من السماء:

وقد ذكر الإمام علي بن الحسين زين العبدين(ع) أثراً من آثار الغيبة فضلاً عن البهتان، وهو قوله(ع) : من رمى الناس بما فيهم رموه بما ليس فيه:

والبهتان يذهب بالإيمان حيث لا يمكن لإيمانك أن ينفعك وأنت تبهت الآخرين، وهذا ما أشار إليه الإمام الصادق(ع) بقوله: إذا اتهم المؤمن أخاه انماث الإيمان من قلبه كما ينماث الملح في الماء:

ولا ينحصر البهتان في شخص معيَّن أو جهة محدَّدة لأنها يمكن أن يطال الخالق والرسل والمعصومين والصالحين وغير الصالحين، فهو إذاً أنواع:

الأول: البُهْتانُ على اللهِ عَزَّ وجلّ:

وهو أن تنسب كلاماً إليه لم يصدر عنه، كأن تقول هذا حلال وهذا حرام، فإنك إن قلت هذا حلال ولم يكن عند الله كذلك، ولم تصرّح بأن الله قال بأنه حلال، فهذا بهتان أيضاً لأن الحلال أو الحرام يُنسبان إليه عز وجل من دون أن تقول أحله الله أو حرّمه فإن النسبة إلى الله في ذلك تأتي ضمنية، وهذا ما حذرنا الله منه في العديد من الآيات، وهذا ما بيّن الله لنا عاقبته في الكثير من المواضع، وهذا ما ثبتت الحجة علينا فيه، قال سبحانه(وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ  مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وقال تعالى(فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وقال سبحانه(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) وقال سبحانه(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ)

الثاني: البُهْتانُ على رسول اللهِ(ص) وآله(ع)

إن نفس حكم البهتان على الله تعالى يجري في البهتان على الرسول وآله(ص) لأن كلام الرسول هو في الواقع كلام الله عز وجل لأن الرسول لا ينطق إلا بالوحي الإلهي، فالمفتري الكذب على الرسول مردُّه إلى الله عز وجل، فمن كذّب الرسول فقد كذّب الله عز وجل، والفرق بين البهتانين أن باب البهتان على الرسول وآله أوسع من باب البهتان على الله لأن الأيدي الخبيثة تستطيع أن تضع الروايات وتنسبها إلى الرسول، ولكنهم لا يستطيعون أن يزوروا آيات القرآن لأنه معجزة لا تتبدل، غير أنهم يستطيعون البهتان على الله تعالى من خلال المعنى، فيفسرون قوله بآرائهم الخاصة، وهذا عين البهتان.

وقد اقتحم البهتان الحديث النبوي بشكل فاحش وملحوظ، وقد خُصّص لذلك مئات الرواة الذين باعوا ضمائرهم للشيطان الرجيم ولأعوانه من السلاطين.

فالذين اتهموا الرسول(ص) بالجنون أو السحر أو بالغايات الخاصة، هم أصحاب بهتان عليه كبير، وكذا الذين أنكروا نص الغدير، فإن في إنكاره افتراءاً واضحاً على الله والرسول مهما كانت مبرراتهم لذلك محكمة.

الثالث :البهتان على المؤمنين:

مرةً تنسب العيب إلى الشخص لظنك بأن هذا العيب موجود فيه، وأنت لم تتيقن من وجوده فيه، ومرة تعلم يقيناً بأن العيب ليس موجوداً فيه وتتعمد اتهامه به، ومرة يكون هذا العيب الذي تنسبه للمؤمن موجوداً فيك أنت، ولكنك تريد أن تموّه الأمر فتتهمه لتُبعد الشبهة عن نفسك، وهذا الأقسام الثلاثة هي من البهتان، وكلها قبيحة، فالأول قبيح، والثاني أقبح من الأول، والثالث أقبح من الأول والثاني، وهذا القسم الثالث هو الذي ركز عليه القرآن الكريم على اعتباره أقبح أنواع البهتان، حيث قال سبحانه(وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا)

الرابع: البُهْتَانُ عَلَى غَيْرِ المُؤْمِنِين:

إن دين الإسلام عظيم وحنيف وكامل وعادل وحائز على جميع صفات الكمال، وقد احتل الرتبة الأولى من بين باقي الأديان السماوية نسبةً لفحواه الكريم ومضمونه العظيم.

لقد انفتح هذا الدين على الآخَرين بشكل امتاز به عن غيره، وحرص على مصالح الناس عموماً، فلم يظلم غير أتباعه بحجة أنهم أعداؤه، بل أعطى لكل إنسان حقه، وقدّم الإحترام للإنسان بما هو إنسان قبل أن يلحظ فيه العقيدة التي يعمل بها وينطلق في حياته من خلالها.

فكما حرص الإسلام على حقوق المسلمين وكراماتهم، فكذلك أمر أتباعه باحترام الآخرين والمحافظة على حقوقهم محرِّماً أية إساءة للآخرين بأي وجه من الوجوه، لأن الطريقة التي جاء بها الإسلام تتعارض مع أي شكل من أشكال العنف أو الأذى المادي والمعنوي لأنه دين المحبة والتسامح والمواخاة، ودين الحياة الكريمة، فلا يرضى إسلامنا العظيم بأن نشهّر بالآخَرين، ولا يرضى من أتباعه الظلم لغيرهم بأي وجه من الوجوه، فلقد حرّم الإسلام عملية البهتان التي اعتبرها من كبائر الذنوب، ولم يخصصها في فئة دون أخرى، وإنما جعل الحكم فيها شاملاً، فإن البهتان حرام على المسلم وعلى غير المسلم، والإسلام يحرّم على كافة الناس أن يتعاملوا بهذا السلوك، سواء وقع هذا السلوك على المسلمين أو على غير المسلمين.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى