عقائد

يوم القيامة

يوم القيامة

 

يوم القيامة

 

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

يحتل الحديث عن يوم القيامة موقع الصدارة في البحوث العقائدية الإسلامية وغير الإسلامية لأنه من العقائد العامة التي آمن بها جل الناس كلٌ بحسب فهمه واعتقاده.

ويوم القيامة عندنا نحن المسلمين أصل من أصول ديننا الحنيف الذي لم يختلف في وقوعه أحد، بل إن الجميع أجمعوا على كون منكره منكراً لضرورة من ضروريات الدين، وهذا ما يُخرج الإنسان عن دائرة الإسلام.

وباعتقادنا نحن المسلمين وربما باعتقاد غيرنا أيضاً أن عالَم القيامة هو المرحلة الأخيرة التي يصل إليها الإنسان بعد اجتياز خمس مراحل قبله إذ أنه ينتقل من عالم الذر إلى مرحلة الأصلاب ثم إلى مرحلة الأرحام ثم إلى الدنيا ثم يمكث في البرزخ ما شاء الله ثم يقوم للحساب يوم يقوم الناس لرب العالمين.

ولعل مسألة القيامة هي أكثر المسائل التي اعتنى القرآن بذكر علاماتها وحقائقها حيث نالت حظاً وافراً في عشرات السور القرآنية التي أشارت إليها في أكثر من مئة آية مما جعل يوم القيامة من أكثر المسائل وضوحاً في عالَم العقيدة.

ففي سورة البقرة مثلاً هناك ما يقرب من عشرين آية تتحدث عن يوم القيامة إما عن طريق ذكر الإسم أو ذكر بعض خصائصه، وكذا في سورة آل عمران وسورة النساء وغيرهما من عشرات سور القرآن التي اختُصت إحداها باسم القيامة التي بلغ عدد آياتها الأربعين آية.

ورغم كثرة ما ذُكر عن ذلك اليوم يبقى الكثير من شؤونه غامضاً ومخفياً عنا نحن البشر حيث لم يعرّفنا ربنا على كل شيء نظراً لقصورنا عن إدراك العلم كله.

هناك أمور ذُكرت حول يوم القيامة تحسبها مفصَّلة وواضحة فيظهر لك بعد ذلك أنها لم تكن كذلك بل كانت من الآيات المتشَابَهة، ومن هنا ينبغي أن نكون حذرين في التعامل مع بيان ذلك اليوم الذي كان من الغيب، ولا يجوز لأحد أن يدعي شيئاً من الغيب لم يطلعه ربه عليه، وقد ذم الله تعالى أولئك الذين يعتدون على الغيب حيث قال(سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا) ولعل ما ورد في هذه الآية قريب من المعنى الذي أريد بيانه.

إذاً هناك الكثير من الآيات التي تتحدث عن يومٍ وصفه خالقه بأوصاف كثيرة وأطلق عليه أسماءاً عديدة وعرّفنا على الكثير من أحداثه وخصائصه، وكان الهدف من وراء تلك البيانات حث الناس على الإستعداد لمواجهة أهوال وشدائد ذلك اليوم الذي اظهر الله تعالى صعوبة موقف البشر فيه حيث وصفه بقوله(تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) وبقوله(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ)

وليس الهدف من طرح هذا الموضوع إحداث رعب في قلوب الناس لأنني من الذين يرفضون استعمال الترهيب إلا في الحالات التي تدعو إلى ذلك، ومن هنا نرى بأن القرآن الكريم لدى حديثه عن ذلك اليوم وضع ميزاناً لطريقة الكشف عنه والدعوة للإستعداد له عبر الإيمان والعمل، ولذا فإننا نجد في القرآن ميزاناً بين الترهيب والترغيب، فلم يحدثنا عن العذاب إلا بعد أن يحدثنا عن الرحمة أو العكس، مثل قوله سبحانه(نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ) وقوله(وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) إلى قوله تعالى(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ)

وعلى كل من يريد أن يحدّث الآخرين عن يوم القيامة وما يجري فيه من أحداث وما فيه من ثواب وعقاب وجنة ونار أن يستعمل الأسلوب القرآني في حديثه لأن القرآن عندما استعمل ذلك الميزان بين الترهيب والترغيب إنما كان فيه دعوة للمبلغين وهي أن يتبعوا نفس طريقة القرآن الكريم في وصف أحداث يوم القيامة.

وهذا ما يحتاج إلى تقييم من الواعظ أو المحدث إذ ينبغي عليه أن يدرك الأسلوب الذي يتأثر به الحاضرون والمستمعون أو القراء، فإن كانوا ممن يزدجرون بالترهيب استعمله أكثر من أسلوب الترغيب، وكذا العكس إذ ليس واجب المبلغ هو مجرد الكلام وإسقاط التكليف، بل من أهم واجباته هو أن يوصل المفاهيم إلى عقول الرعية واضحة وسليمة ومحمية من أي خلل يمكن أن يطرأ عليها، وهذا ما أوحى الله به إلى أنبيائه عندما أمرهم أن يخاطبوا الناس على قدْر عقولهم، أي بالطريقة التي تتناسب مع أوضاعهم الإستيعابية إذ ليس الجميع بمستوى واحد من إدراك الأمور.

ومن جملة النقاط الهامة التي ينبغي أن نثيرها مع بداية هذه الدراسة هي إشارة إلى حقيقة واقعية حول ذلك اليوم الذي كان من الغيب الذي كشف الله تعالى عن جزء منه في كتابه وعلى لسان نبيّه(ص)، فلقد أظهر شيئاً يسيراً من تفاصيل وأحداث تلك المرحلة الحساسة والحاسمة، وهذا ديدن القرآن الكريم في الكشف عن الحقائق الكبرى التي يخفي جلها إلى يوم القيامة فهناك يعلم الإنسان علم اليقين في كل ما قرأ وسمع في الحياة الدنيا، فهناك يرى ما لم يسمع به وما لم يخطر بباله وما كانت صورته المختزَنة في ذهنه مغايرة للواقع.

نقرأ في بعض الكتب تفاصيل وكأن الكاتب قد رأى أحداث ذلك اليوم بعينه فهو يتعرض إلى ذكر أمور لم ترد في القرآن ولا على ألسنة الأنبياء، وهنا نسأل أنفسنا: من أين أتى هذا الكاتب بكل تلك التفاصيل؟ لا شك أنه أتى بها من نسج خياله في حين أن خيال الإنسان عاجز عن إدراك ما كان من الغيب، أو أنه سمعها من هنا وهناك فاستنسبها فكتبها أو قالها في حين أن خصائص الغيب بمنأى عن الخيال والإستحسان.

لأجل ذلك كانت المسألة في غاية الدقة ومنتهى الأهمية، وليس الحديث عن الموت وما بعده مادة تسلية نتبادلها في جلساتنا فإن كل واحد منا مسؤول يوم القيامة عما يقول ويفعل ولو كان القول حرفاً واحداً، ثم من أين يأتون بالجرأة في بيان ما أخفاه رب العالمين الذي لو أراد أن يبين أمراً لبينه دون أن يمنعه أحد، لقد آن الأوان أن نقف عند الحدود المرسومة لنا من قبل الله تعالى، وأن نعمل بالقاعدة القائلة أسكتوا عما سكت الله عنه، وبمضمون الآية الكريمة(تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)

وقبل أن يشكل علي أحد من إخواننا الكرام ويقول بأن هذه الآية وردت في الحديث عن الطلاق، فنقول إن كلام الله تعالى عام ينطبق على كل ما يصلح الإنطباق عليه فهي قاعدة عامة تسري في الطلاق وفي غيره من الأحكام والأنظمة.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى