
الوَحْيُ الإِلَهِي
قال سبحانه وتعالى(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ) وقال سبحانه(وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) وقال تعالى(وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)
إن للوحي الإلهي أكثر من طريقة، ولعل اختلاف طرق الوحي له مدلول خاص في العقيدة حيث يمكن القول بأن طريقة الوحي بين نبي وآخر تختلف باختلاف طبقاتهم عند الله عز وجل، وقد أشار تعالى في الآية الأولى إلى مسألة التفضيل وقرنها بإحدى طرق الوحي، وهي التكليم.
والقاعدة هي أن الوحي خاصٌّ بالأنبياء فقط، ولكن قد يخرج أحد عن القاعدة بشكل استثنائي فيوحي الله إليه وهو غير نبي كمريم ابنة عمران(ع) التي كانت الملائكة تنزل إليها وتحدثها، حتى أن جبرائيل الأمين قد نزل إليها وخاطبها بدليل قوله تعالى في سورة مريم(فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا){مريم/25} والحديث هنا عن جبرائيل(ع) الذي خاطب الصدّيقة مريم(ع) عندما جاءها المخاض بعيسى(ع).
فالتكليم وحي، وإرسال الملك وحي، والرؤيا للأنبياء في المنام وحي، ولعل هناك طرق أخرى له كان الأنبياء يعرفونها دوننا، وأما الفصل في الآية الثالثة بين الوحي والتكليم ووراء الحجاب فلا يعني خروج التكليم ووراء الحجاب عن دائرة الوحي، فلربما كان الفصل في الآية بينها للدلالة على وجود تمايز بين نبي وآخر، كما ويمكن القول بأن الإيحاء ومن وراء حجاب نوع خاص من التكليم لأن الغاية من الجميع هو التفهيم، فالجميع لهم هدف واحد وهو تلقّي التعاليم من الله عز وجل أياً تكن الوسيلة.
طُرُقُ الوَحْيِ
أولاً: التكليم:
لم يحدّث القرآن عن استعمال هذا النوع من الوحي إلا لموسى بن عمران(ع)، ولا يعني ذلك أن موسى أفضل ممن لم يكلّمهم ربهم، بل يشير ذلك إلى وجود خصوصية لموسى الذي اقتضى حاله أن يكون الوحي له عن طريق التكليم، والتكليم لا يعني أنّ الله تعالى كلّمه بلسانه لأنه عز وجل منزَّه عن المادة، وإنما خلق له ذبذبات صوتية سمعها بأذنيه كما نسمع بعضنا البعض حين التخاطب، وقد ذكر القرآن الكريم مسألة تكليم الله لموسى بهذه الطريقة في العديد من سوره، وإليكم تلك الآيات المباركة.
ثانياً: إرسال الرسول والمعاينة:
والمراد بالرسول هنا هو الملك أو الملائكة الذين كان يرسلهم الله تعالى إلى بعض أنبيائه من أجل إيصال الوحي عبرهم، وقد ادعى بعضهم أنّ الرسول في الآية هو النبي الذي ينقل الوحي إلى الناس.
ثالثاً: الرؤيا في المنام:
فما يراه الأنبياء في منامهم إنما هو الوحي كما كان حال إبراهيم ويوسف(ع)، قال تعالى في حديثه عن وحيه لإبراهيم(ع)،(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ){الصافات/102}
فإبراهيم قال لولده إسماعيل(إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ) وردّ عليه إسماعيل بقوله(افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) ومعناه أن الله تعالى أمر خليله إبراهيم بذبح إسماعيل، وأن ما رآه ليس مجرد منام عابر كما يرى الناس العاديون بل هو الوحي الإلهي.
ولعله يوجد هناك طرق أخرى للوحي لم يتعرض القرآن الكريم إلى ذكرها كالإلهام مثلاً، ولذا فسوف نسكت عما سكت عنه القرآن الكريم.
الشيخ علي فقيه



