أَخْبَارٌ وَأَنْبَاءٌ مِنْ حَيَاةِ الأَنْبِيَاء
نَبِي اللهِ أَيُوْب(ع)

نَبِي اللهِ أَيُوْب(ع)
لو تصورنا لحظة من اللحظات أن الأرض لم تَشهد رسلاً وأنبياء، وأن هذا التاريخ خالٍ من تلك العبر والدروس التي استفادتها البشرية من حياتهم الرسالية وتجاربهم الكثيرة والمتنوعة لأدركنا بكل بساطة لَغَوية الوجود، ونحن نعلم بأن الله تعالى لم يخلق الخلق سداً ولا لعباً ألا وهو عز وجل القائل(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ)
فمِن نِعَم ربنا علينا أنه أرسل إلينا رسله وبعث أنبياءه لينقلونا من ظلمات الكفر والجهل والضلال إلى أنوار الإيمان والعلم والهداية، وأتحفنا بعصبة كريمة هي الطريق المؤدي إليه، والحبل المتصل بين الأرض والسماء، وهم آل رسول الله محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
ونحن بدورنا نستطيع أن ننتفع بكل ما ورد عن المعصومين من الأنبياء والأئمة، والفائدة منهم كبيرة، حيث كانت جميع حركاتهم وسكناتهم تحمل لنا النفع الكبير والخير الكثير على مستوى الدنيا والآخرة، وحديثنا الآن سوف يدور حول حياة نبي عظيم جعله ربه مثلاً للبشرية وعبرة للصابرين، وهو أيوب(ع) الذي اقترن ذكره بالصبر فأصبح مضرِباً للمثل عبر التاريخ، إن جميع الأنبياء أُرسلوا من قِبل مصدر واحد وبمهمة واحدة، المصدر الواحد هو الله تعالى، والمهمة الواحدة هي تبليغ رسالات ربهم والنصح للبشر ورسم الطريق لهم، ولكن كان هناك نقاط مفارقة بين نبي ونبي حيث تميز كل واحد منهم عن الآخر بشيء معيّن.
لقد ذُكر أيوب(ع) مرات عديدة في القرآن الكريم ليكون تكرار ذكره لفتة نظر لأهمية الدور الذي لعبه في تاريخه ولبيان الخصوصية التي اشتهرت عنه.
قال تعالى(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ)
وقال عز من قائل(وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)
وقبل البدء بالكلام عن أيوب(ع) أشير إلى أمرٍ قد يطرأ على ذهن قارئ أو كاتب أو متأمل، وهو أن الترتيب القرآني لأسماء الأنبياء لا يدل على التسلسل التاريخي لأن القرآن يراعي في تراكيبه ما ينسجم مع إعجازه البلاغي واللغوي، وقد أشرت إلى هذا الأمر من باب رفع الشبهة التي قد تطرأ علينا.
ففي سورة النساء قدّم الله تعالى ذكر يوسف على أيوب، أما في سورة الأنعام فلقد قدَّم ذكر أيوب على يوسف، وهذا يعني أنه لم يعتمد في ذكرهم التسلسل التاريخي.
وفي الإشارة إلى أحداث أيوب(ع) قال تعالى في سورة الأنبياء(وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ)
لقد كان أيوب وما يزال مضرب المثل في الصبر والتقوى والإخلاص، حيث امتحنه ربه ببلاء عظيم أو بأكثر من بلاء لا يمكن لشخص عادي مهما بلغ حبه لله أن يتحمل الذي نزل بأيوب الذي كان يعيش في قوم لا يحتملون البلاء فأضجرهم بعض الإبتلاءات فخرجوا عن الحدود الإلهية بحجة أن البلاء هو الذي دفعهم إلى ذلك.
وأيوب(ع) من أحفاد إسحق بن إبراهيم، وهو سبط لوط، وقيل بأنه تزوج إبنة نبي الله يوسف(ع) وقد منحه الله عز وجل جمالاً ومالاً وقوة وبسط له في الرزق، وكان له عشرة أولاد وكان رحيماً بالفقراء والمساكين وكان كثير الشكر لله عز وجل.
وبعد هذه المقدمة الموجزة عن حياة نبي الله أيوب الذي يتردد ذكره على ألسنة الناس من جميع الفئات والطبقات نأتي على ذكر نوع البلاء الذي نزل به وسببه، لأن هناك كلاماً حول سبب بلائه قد لا ينسجم مع موازين العدل الإلهي، ونحن بإذن الله تعالى سوف نعمل على إظهار السبب إن كان معلوماً، أما ما لم يكشفه الله لنا يبقى في دائرة المجهولات حيث لا نتجرأ ولا يتجرأ أحد على أن ينسب شيئاً إلى هذا النبي أو غيره لمجرد الإستذواق، فإذا لم يكن الدليل موجوداً كان السكوت أولى.
والذي نتعجب له في الأمر أن شريحة كبرى من الناس ومنهم طبقة مثقفة وذات شأن مرموق يصدقون بعض الأكاذيب ويطبقون الأثر عليها، وهي أكاذيب لا ينبغي أن تمر على الجاهل فضلاً عن العالم.
وهناك نوعية خاصة من المؤمنين لا يتجرؤون على نقض أمر يتعلق بتواريخ الأنبياء الذي نعتبره أوسع باب للوضع بسبب البعد الزمني الفاصل بيننا وبينهم أو بسبب عدم ذكر القرآن الكريم لجميع التفاصيل، إن أفضل وسيلة ينبغي اتباعها في ذكر تاريخ الأنبياء أو كتابته هو الإقتصار على ما ورد ذكره في القرآن الكريم وما أشار إليه النبي وآله(ص) شرط أن تكون الروايات الواردة عنهم صحيحة بالطرق المعتبرة في إثبات الصحيح والفاسد من الروايات.
فهؤلاء الذين لا يتجرؤون على نسف أمر واضح الفساد بحجة أنه قد يكون صحيحاً أو قد يكون له تفسير، فكيف يتجرؤون على اعتماد الأكاذيب.
في مثل هذه الحال يجب البحث والتدقيق بالطرق المعتبرة لأنه لا يمكن أن يبقى الناس بعيدين عن تلك المواقف والعبر الصادرة عن أنبياء الله عليهم السلام.
البَلاءُ وَالصبْرُ
يدفعنا الحديث عن نبي الله أيوب(ع) إلى عقد بحث حول مفهومي البلاء والصبر وعلاقتهما ببعضهما البعض وماذا يجب على المبتلى أن يصنع عند نزول البلاء، لأن الحدث الأبرز في تاريخ أيوب هو البلاء والصبر، ولكي نعي جلالة ما قام به وعظيم ما صنعه ينبغي أولاً أن نعرف حقيقة هذين المفهومين الدينيين اللذين قامت عليهما أحكام كثيرة وتربت عليهما آثار في الدنيا والآخرة.
أولاً نتحدث عن أسباب البلاء، فقد يكون سبب البلاء نتيجة لسلوك سيء قام به الإنسان فاستحق عليه العقاب بهذه الطريقة النسبية التي تنزل على المسيء بحسب إساءته، وقد يكون سبب البلاء تكفيراً عن بعض الذنوب التي يرتكبها المؤمن، وهذا ما يتمناه كل مؤمن منا حتى يخرج من هذه الحياة وليس عليه تبعة، والأمنية الكبرى للمؤمن هي أن يعفو الله عنه في الدنيا والآخرة، وقد يكون سببه الإمتحان من الله تعالى ليختبر به قلب عبده ويكشف للآخرين عن مدى تحمله للبلاء في جنب رضاه كما صنع مع أنبيائه فإن جميع البلاءات التي نزلت عليهم إنما كان سببها من النوع الثالث، أي الإختبار، لأنهم معصومون من الأخطاء والذنوب، ولعل هذا النوع من البلاء هو المنتشر بكثرة إذ قل ما يعاقب الله العاصي في الدنيا، وذلك من باب رحمته الواسعة حيث يفتح له مجالاً للتوبة كي يخرج من الدنيا ولا تبعة يُسأل عنها في يوم القيامة، فأنت عندما تتحمل آثار البلاء فإنك تكشف بذلك عن مدى إيمانك وإخلاصك، فلا ينبغي للمؤمن أن يضجر من بلاء قد يكون سبب نجاته في يوم الحساب.
وقد يكون هناك أسباب أخرى للبلاء لا نرى ضرورة لذكرها حيث اخترنا الأهم منها والذي ينفعنا في فهم هذا البحث.
والسلاح الأقوى الذي يجب أن نواجه به البلاء مهما كان حجمه وطول مدته هو الصبر الذي جعله الله عز وجل جزءاً لا يتجزأ عن الإيمان حيث ورد عن الرسول الأكرم(ص) “أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد”
فمن دون صبر لا يمكن للمرء أن يواجه البلاء ويتحمله لأن الوسيلة الوحيدة لتخفيف أعبائه والحد من آثاره إنما هو الصبر، وإن عدم الصبر قد يزيد في حجم البلاء، فلا مناص حينئذ من اعتماد وسيلة الصبر التي تخفف أثقال البلاء وتزيد في أجر الإنسان وثوابه يوم الحساب.
والصبر سلاح المؤمن الذي لا ينبغي الإستغناء عنه في وجه من الوجوه لأن كل شيء في هذه الحياة يحتاج إلى قوة الصبر بدءاً من التعلم ومروراً بلقمة العيش ووصولاً إلى أعظم المصائب.
والصبر الذي يحمل تلك الصفات المشار إليها هو الصبر التام الشامل لأنواعه الثلاث، الصبر على الطاعة، والصبر على المعصية بمعنى أن يصبر على تجنبها، والصبر على البلاء بمعنى أن يتحمل قدر المستطاع، والله تعالى ليس بظلام للعبيد، فهو يبتليك بما تطيق حيث لا يكلف نفساً إلا وسعها.
وقد ركز القرآن الكريم على ذكر الصبر والحث عليه بطرق مباشرة وغير مباشرة، ففي سورة البقرة قال تعالى(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)
وفي نفس السورة قال سبحانه(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)
وفي سورة آل عمران(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
وفي سورة الزُمَر(قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)
وقال سبحانه(كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)
وهناك العشرات من الآيات الحاكية عن صفة الصبر وضرورة اعتمادها في مواجهة الحياة بجميع أشكالها ومراتبها.
سَبَبُ بَلاءِ أَيُوْبَ(ع)
قلنا إن أسباب نزول البلاء إما أن تكون عقاباً أو تكفيراً للذنب أو امتحاناً واختباراً لمدى إخلاص المرء لربه، فمنهم من يتابع الصبر حتى يفرِّج الله عنه، ومنهم من لا يحتمل ذلك فيقف عند حدود معينة بحسب قدرته لأن قدرة التحمل عند الإنسان متفاوتة بين شخص وآخر، وهذا التفاوت منشؤه الإيمان من حيث قوته وضعفه والأسس التي يقوم عليها.
وسبب البلاء الذي امتُحن به أيوب هو عينه سبب بلاء كل الأنبياء، وهو الإختبار، وهنا لا بد من التفريق بين اختبار المعصومين واختبار غيرهم، أما اختبار غير المعصوم فإن الهدف فيه نفس الشخص الممتحَن، وأما اختبار المعصوم فيراد به التعليم وتوجيه الآخرين حيث جعل الله أنبيائه قدوة للبشر.
وكأن إلهنا العظيم يقول لنا عن طريق أيوب: كونوا صابرين كما صبر أيوب الذي نال أجر صبره في الدنيا قبل الآخرة: فهو في الدنيا من الصابرين، وفي الآخرة من المحسنين الذين يباهي الله بهم خلقه.
والشيطان الرجيم هو جزء من امتحان البشر، فهو يوسوس لهم ويمنيهم ويغويهم حتى يقعوا في المخالفات وينتصر عليهم ويفرح بذلك، فهو لا يوفر أحداً من العباد سواء كانوا صالحين أو فاسدين، فإنه يوسوس للصالح حتى يوقعه في الفساد ويوسوس للمفسد حتى يستمر على فساده ويضع بينه وبين التوبة حوائل صلبة.
والأنبياء لم يسلموا من سطواته، ولكنهم بتوفيق الله وإراداتهم القوية لم يضعفوا أمام تلك الوسوسات ولم يعطوه آذانهم لحظة من اللحظات، فهم دائماً الغالبون والمنتصرون والمتفوقون على من سواهم من البشر.
وقد ذكر بعض المؤرخين والعلماء أن سبب بلاء أيوب هو تحدي الشيطان لربه حيث قال له لو ابتليت أيوب لكفر بك… وقد ذكروا حديثاً طويلاً دار بين أيوب من جهة والشيطان الرجيم من جهة أخرى، ورغم كثرة الناقلين لهذه القصة فإننا لا نعتمد عليها كدليل على سبب ابتلائه لأننا نرى سبباً آخر غير الذي رآه هؤلاء الذين بذلوا أوقاتهم في البحث والتدقيق، ولكن ما لم يرد نص صحيح عن طريق أهل العصمة صلوات الله عليهم فإن ما يدّعيه هؤلاء المؤرخون يبقى في دائرة الشك أو الإحتمال، فيمكن أن يكون ما ذكروه صحيحاً، ويمكن أن يكون فاسداً، ونحن نرى بأن فساد رأيهم أقرب من صوابه بالنسبة لما سوف نذكره حول سبب بلاء أيوب.
إذن.. هم قالوا بأن الله سلّط إبليس على أيوب ليثبت لإبليس قوة الإيمان في عبده أيوب وأنه مهما حصل له فلن يكفر بالله، هذا الكلام ظاهره جميل ولكن باطنه عكس ظاهره، وهذا ما سوف ننبه عليه.
لقد قرؤوا قوله تعالى(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) لعلهم فهموا الآية من وجه بعيد وغفلوا عن قوله تعالى للشيطان الرجيم(إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) ونحن ندرك بأن الشيطان مسلَّط على النفس يوسوس لصاحبها حتى يستقيم الإمتحان وتكتمل جميع عناصره بذلك، أما موضوع أن الشيطان مسلط على الجسد كما يتوهم بعض الناس والمنجمين فهذا أمر غير صحيح لأنه ينسب الظلم إلى الله الذي نفى ذلك عن نفسه في العديد من المواضع القرآنية والأحاديث القدسية، فعندما نقول بأن الشيطان مسلط على جسم الإنسان فهذا يعني الظلم بنفسه، والله تعالى أجل من أن يأذن بذلك، بل صرّح تعالى بعكس ذلك عندما أخبرنا بأن الشيطان ليس له سلطان على العباد.
نعم إن معنى مس الشيطان له هو أنه وسوس لأيوب بأن الذي آذاك بمرضك وأمات أولادك وأذهب رِزْقك هو الله، وقد شكى أيوب لله تعالى ما يوسوسه إبليس له وأنه لن يضعف أمامه، أما موضوع أن بلاء أيوب حصل بطلب من إبليس فإن الله تعالى استجاب لطلب واحد له وهو إنظاره إلى يوم يبعثون ليميز الخبيث من الطيب والمؤمن من الكافر والمطيع من العاصي، أما غير هذا الطلب فلم يُستجَب لأبليس.
وهم بهذا الإدعاء يصورون للناس ربهم بصور الضعف والميل والإصغاء للشيطان، وهذه أقرب ما تكون من معتقدات اليهود الذين ينزلون بربهم إلى هذا المستوى فيدعون بأنه يلعب في جزء من النهار.
وهذا الإدعاء يصور لنا بأن إبليس استدرج ربه في شأن أيوب فسلطه عليه، وهذا أوهن ما يمكن أن نأخذ به من الآراء، وهنا ننصح كل كاتب أو باحث أو مؤرخ أن يتأمل ملياً قبل أن يثبت شيئاً أو ينفيه وبالأخص فيما يتعلق بالذات الإلهية كيلا يرتكب جريمة عقائدية في حق من يسمع له أو يأخذ بآرائه.
أيوب ابتلي لأن الله تعالى يحب أن يسمع شكواه ودعاءه ويثبت بذلك إيمانه ويزيد له في ثوابه ويرفع له درجاته في الجنة كما حصل لكثير من أنبياء الله عليهم السلام.
كَشْفُ الضر عَنْ أَيوْبَ
قال سبحانه وتعالى في سورة ص(ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)
لكي نعرف مستوى الصبر الذي كان في أيوب(ع) لا بد أولاً أن ندرك حجم البلاء الذي نزل عليه فإن الصبر على حجم البلاء، وقبل أن أشير إلى حجم بلائه هناك أمر يساعدنا كثيراً على فهم المراد، فأنا أتمنى على كل من يقرأ هذا الكلام أن يعيش بمخيلته جزءاً صغيراً من الحالة التي كان عليها أيوب وسوف تدركون بسهولة عظمة هذا العبد الأواب ولماذا أصبح مضرباً للمثل.
كان نبي الله أيوب(ع) حسن الوجه وقوي البدن وكان من الأغنياء المرموقين في زمانه فأتى أمر الله ليجعل من صبر أيوب مدرسة في الصبر ومن البلاءات التي نزلت عليه عظة وعبرة للمتأففين من البلاء الذي لا يساوي شيئاً أمام ابتلاءات أيوب، وهذه الموعظة نحن بأمس الحاجة إليها في زماننا هذا لأن عقليات الأكثرين ممن يدعون التدين أصبحت بعيدة عن المنطق الديني الصحيح إذ أصبحت العبادات والطاعات زينة نظهر بها على الآخرين.
وما سأذكره الآن ليس بعيداً عنا بل هو حالة تعترينا بمعونة من الشيطان الذي يريد إيقاعنا فيما لا تُحمد عقباه وإبعادنا عن الله سبحانه وتعالى.
كثير من الناس إذا ابتلاهم الله في شيء نسوه وسيطر عليهم الهم والغم والحزن والأسى والغضب وكثير من عوامل سقوط الإنسان، كمن يصاب بمرض طويل نسبياً أو يفقد جزءاً من ماله في تجارة أو سرقة، أو يمرض ولده أو يموت بأحد أسباب الموت، فترى هذا المؤمن الذي قد يكون ممن يسهرون الليل في الصلاة والدعاء وقراءة القرآن تراه إذا وصل الأمر إلى هنا استنكر على ربه وقصّر في عملية التوجه إليه وتخلى عن جزء كبير من العبادات التي كان يتقرب بها ظاناً بأن المؤمن لا يُبتلى، مع أن أكثر الناس ابتلاءاً هم المؤمنون.
إذا نزل به البلاء صرخ قائلاً: لماذا يا رب؟ ماذا فعلت لك حتى تصنع بي ذلك، أنا أقوم الليل وأصوم النهار وأقرأ القرآن وأتصدق على الفقراء فلماذا تعاقبني؟
هنا يكمن الخطأ إذ يتبادر ذهن المبتلى إلى مسألة العقاب، فلماذا لا تعتقد بأن الله ابتلاك ليختبر إيمانك ومدى تحملك الأذى في سبيله أو في سبيل رضاه عنك، لماذا تتخلى فوراً عن إيمانك بدل أن تفوّض الأمر إلى الله وتقول كما علّمك ربك(إنا لله وإنا إليه راجعون) إنك لو صبرت على امتحان الله لك لنلت أجرك مرتين، مرة في الدنيا ومرة في الآخرة، أما التأفف فقد يكسبك الدنيا ويحرمك الآخرة، وربما يحرمك إياهما معاً في وقت واحد.
لماذا لم يقل إبراهيم الخليل كما قلتَ أنت، إن إبراهيم أُمر بذبح ولده، ولم يعترض على الله، ولم يقل له إنه ولدي الوحيد كيف أذبحه بيدي، فلقد آثر إبراهيم رضا ربه على كل مشاعره لأنه يعلم بأن ما عند الله خير وأبقى، ولماذا لم يعترض نوح عندما أغرق الله ولده، ولماذا لم يعترض محمد(ص) الذي قال: ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت: وقد مات أولاده الذكور فلم يتأفف وإنما فوض أمره إلى الله، ولماذا لم يضجر أيوب مما نزل به رغم أن ما نزل به لم ينزل بأحد منا، ولو أنه نزل علينا واحد بالمئة مما نزل على أيوب لكفرنا بالنعمة.
لماذا ننظر بعين الشر للبلاء بدل أن ننظر إليه بعين الرحمة فإنه في الأغلب يحمل رحمة لنا في الدنيا والآخرة، ولماذا إذا نزل بنا البلاء لا نتذكر قول النبي الأعظم(ص)” إذا أحب الله عبداً ابتلاه”
نحن الآن بأمس الحاجة لإعادة النظر في حساباتنا الدينية كيلا نستمر على هذا الخطأ الذي قد يكلفنا الكثير في الدنيا والآخرة، وكلفة الآخرة باهظة للغاية لا يمكن أن تُعوَّض أبداً لأننا عندئذ سوف نكون حطباً في جهنم إن نحن أصرينا على اعتماد هذه المفاهيم الباطلة والأساليب البعيدة عن منطق الأديان.
لقد ابتلي أيوب بماله وممتلكاته فاحترقت أرضه وماتت مواشيه وذبل زرعه ولم يبق لديه قوت يسد به جوعه، ومع ذلك فوّض أمره إلى الله وحمده على كل حال، ثم ابتلي بداره الذي تهدم ولم يبق منه حجر على حجر، ثم ابتلي بأولاده العشرة الذين كانوا داخل الدار حين سقوطه فماتوا جميعاً فصبر وتوجه إلى الله عز وجل، ثم ابتلي بمرض خطير وقبيح طال زمنه ولم يعرف له الأطباء دواءاً حتى ظن الناس بأن غضب الله قد حل به، ثم نفوه من المدينة كيلا ينقل المرض إليهم بالعدوى، ومنعوا عنه الناس، ووضعوه في مكان بعيد من الصحراء، وكانت كلما أتت زوجته لزيارته وجدته حامداً شاكراً حتى آن أوان رفع البلاء بعد أن أعطى الله درساً للبشرية على يد أيوب فرفع عنه بلاءه بعد مناجاة طويلة وتَوَجُّهٍ قل نظيره، فقال له ربه(ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) ضرب الأرض بقدمه فنبعت منها الماء فشرب واغتسل، وفي تلك اللحظات ذهب عنه المرض وعادت له قوَّته وجماله، ثم إن زوجته عندما أتت لزيارته لم تعرفه فظنت بأنه رجل غريب فأخبرها بنعمة الله عليه، ثم رزقه الله بمال كثير وأولاد أكثر من الذين ماتوا، وهو معنى قوله تعالى(وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا) ثم بيّن الله فضل عبده أيوب حيث وصفه بقوله الكريم(إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)
الشيخ علي فقيه



