
مَا مَعْنَى المُبَايَعَة؟
من خلال معرفتنا لمعنى المبايعة ندرك السبب في امتناع الإمام الحسين عنها.
إن معنى المبايعة ليزيد بن معاوية هي الإعتراف بشرعية وجوده كخليفة والموافقة على كل جرائمه وتجاوزاته التي تجاوزت جميع الحدود الشرعية والمنطقية.
ويزداد أمرها سوءاً عندما يكون المبايع للخليفة المزيَّف هو الخليفة الشرعي الذي كان مستعداً لأن يُقتل ألف ألف مرة هو وأولاده وأصحابه والأمة كلها قبل أن يعلن البيعة لهذا الطاغي الذي اشتهر بشرب الخمر واللعب بالقمار وبجميع أنواع الفسق والفجور التي لا تليق بالإنسان العادي الساقط فضلاً عن الذي يدّعي الخلافة على المسلمين.
فمعنى مبايعة الإمام الحسين(ع) ليزيد هو القضاء على الإسلام بما يمثّله من تعاليم ومعتقدات وأحكام وشريحة كبرى من الناس.
ولم يكن يزيد بن معاوية غافلاً عن هذه الحقيقة بل إنه بسبب معرفته لآثارها فقد ألح بالطلب وخيّر الإمام بينها وبين القتل لأنه يدرك النتائج السلبية التي سوف تنعكس من خلال البيعة على الإسلام والمسلمين وخصوصاً على سمعة بيت النبوّة والإمامة.
لِمَاذَا لَمْ يُبَايِعْ يَزِيْداً ويُؤَسّس للثوْرَة فِيْ وَقْتٍ وَاحِدٍ
هناك العديد من التساؤلات تُطرَحُ عادة أمام أي حدث من الأحداث الهامة في التاريخ، وقد عرف الناس السبب الأبرز في امتناع الإمام الحسين(ع) عن البيعة ليزيد نظراً لأخطارها المصيرية على الدين والأمة.
ولا شك بأنه بعد معركة كربلاء نشأت مجموعة كبيرة من التساؤلات، منها بدافع الشفقة، ومنها بدافع الصدمة والإستهجان، ومنها بدافع التشفّي والتبرير لفعلة يزيد، ولم يبق شيء منها خفياً على ذوي العقول، فقد عمِل أصحاب الضمائر الحية والأقلام الحرة لم يتركوا إشكالاً إلا ووضعوا له الحلول المناسبة ولا سؤالاً إلا وأجابوا عليه.
أما بالنسبة للسؤال المطروح هنا فهو يصلح طرحه في الحالات العادية فيما إذا كان يتعلق بأمر شخص، وفيما إذا كان أحد الطرفين أو كلاهما مخادعاً، ولا شك بأن يزيداً كان يخدع الإمام الحسين بذلك الطرح أو التخيير، والعبرة هنا ليست في موضوع الخداع حيث تعلق الأمر بنفس تفوّه الإمام(ع) بلفظ المبايعة لأن المطلوب من طرف يزيد لم يكن سوى كلمة تصدر عن الحسين فقط.
ولو فرضنا أن الحسين وافق على ذلك وكان يخطط للثورة في نفس الوقت فإن ثورته سوف تفشل لا محال لأن نطقه بلفظ المبايعة سوف يحول بينه وبين قلوب الناس بغض النظر عن خلفيات أهدافه وبغض النظر عن كونه أخبر الناس بالغاية من ذلك أم لم يخبرهم.
هذا بالإضافة إلى أن الظروف التي كانت حاكمة في ذلك الوقت لم تكن لتسمح بمثل هذا التخطيط، ولذا كان لا بد للإمام(ع) في تلك المرحلة أن يتعامل مع الأمر بغاية الشفافية مع المحافظة على السريّة طبعاً.
فلو كان الإمام(ع) حاضراً وسألناه بهذا السؤال لأجاب بما يتلاءم مع أوضاعه كخليفة للمسلمين لا يسمح له موقعه بفعل أي شيء مشابه لفحوى هذا السؤال.
وعلى فرض أن الحسين(ع) نطق بكلمة توحي بالمبايعة لانقض عليه أعوان يزيد بلحظة وقتلوه لأن موضوع التخيير بين المبايعة أو القتل ما هو سوى وسيلة دفاعية ليزيد لأنه كان مصمماً على قتل الإمام سواء بايعه أم لم يبايعه، ولكنه كان يظن بأن الحسين سوف يخشاه ويبايعه ثم يقتله، وبهذه الطريقة يكون يزيد قد قضى على روح الحسين ونهجه القويم بل على كل ما كان يمثّله(ع).
الفَرْقُ بَيْنَ المُبَايَعَةِ والصلْح
الصلح عبارة عن إجراء اتفاقية هدنة بين طرفين تقوم على مجموعة من الشروط التي يتفق عليه الطرفان ويوقعانها فيما بينهما، وأما المبايعة فهي الإذعان والإستسلام وإمضاء ما يقوم به الشخص المبايَع، وقد حاول كثير من الناس عبر التاريخ أن يخلطوا بين هذين المفهومين المتباينين نوعاً ما بهدف زعزعة الثقة بالإمام الحسين(ع) وأنه تصرّف على خلاف ما كان يقوم به جده وأبوه وأخوه، وما ذلك سوى خدعة من خدعهم المعهودة.
الشيخ علي فقيه



