
شَأْنُ الثوْرَةِ مِنْ شَأْنِ أَهْدَافِهَا
منذ ظهور الإنسان على الأرض وزيادة أعداده وتوسُّع رقعة انتشاره بدأ المجتمع البشري يتألف من شعوب وقبائل ومجموعات صغيرة وكبيرة ولغات كثيرة ومعتقدات لا يُحصى لها عدد، وكان لكل فرد أو فئة أهداف وأطماع ومَطالب، وكان لكل جهة طريقة خاصة للحصول على المطالب ولتحقيق الأهداف.
وهناك الكثير من الأساليب التي يمكن اتّباعها في هذا المجال، ومن جملة تلك الأساليب مسألة الثورة التي هي خروج فرد أو جماعة ومعارضتهم للحكم القائم بغض النظر عن الهوية والمعتقَد.
وهذا التاريخ الذي بين أيدينا ذكر لنا الكثير من المواقف الثورية التي حدثت في أزمان مختلفة وفي العديد من بقاع هذه الأرض حتى عُدَّتْ الثورات بالآلاف، وكان لكل ثائر هدف خاص، فبعضهم ثار من أجل مطلب خاص أو مصلحة فردية، والبعض الآخر ثار من أجل قضية عامة، وهناك فروقات كثيرة بين قضية وأخرى من حيث الأهداف والوسائل والنتائج والظروف.
بعضهم كان هدفه إنسانياً، وبعضهم كان الهدف عنده سياسياً وآخرون دينياً وغيرهم اقتصادياً، والعناوين في هذا الشأن أكثر من أن تُحصر.
هناك ثورات شارك فيها الملايين، وثورات كان عدد أفرادها محدودين، وثورات دامت لسنوات كثيرة وربما لعقود من الزمن، وثورات قُتلت قبل ولادتها، وثورة دُفنت في مهدها، وثورات تحقق الهدف منها، ومنها ما لم يصل الثائرون فيها إلى الهدف المطلوب، وثورات نجحت وحققت الأهداف ولكن لم يُكتب لها الإستمرار، وثورات دام نجاحها فترة من الزمن ولكن سرعان ما طواها الزمن وأخفتها صفحات التاريخ المهملة.
وبعض الثائرين ظنوا بأن النجاح حليفهم لأنهم كثيرون وثابتون على المبدأ فكان الواقع مخالفاً لظنهم بسبب بعض الظروف الطارئة، وبعضهم لم يتوقع الإستفادة أو النجاح وقد حصل له ذلك نتيجة لبعض الظروف أيضاً.
فالذين قاسوا الثورة بعدد أفرادها وبعض المقدمات التي لا علاقة لها بعملية الإستمرار خابت ظنونهم لأن الثورة لا تقاس بعدد الثائرين ولا بحجم التضحيات ولا بتأييد بعض الجهات ودعمها المادي أو المعنوي لأن المقياس الحقيقي في نجاح الثورة أو عدم نجاحها أو في استمرارها بعد تحقيق النجاح أو عدم استمرارها إنما هو الأهداف التي يسعى القائد إلى تحقيقها من خلال الثورة، فإذا كانت الأهداف عامة تخدم الجميع كانت ثورتها ناجحة وإن لم تحقق انتصاراً عسكرياً لأن الهدف قد يتحقق بمجرد القيام بالثورة من دون النظر إلى نجاحها عسكرياً أو فشلها، وأما إذا كانت الأهداف خاصة أو أنانية فلا يمكن للثورة أن تنجح وإن حققت انتصاراً عسكرياً لأن معيار الإستمرار إنما هو مدى قبول الناس للأهداف ذات القيمة الكبيرة والشأن الرفيع، والهدف يكون كذلك عندما يكون واقعه كذلك.
الشيخ علي فقيه



