
آثار الحزن على النهج الحسيني
عندما كوّن الله تعالى خليفته آدم وضع فيه وفي ذريته الكثير من القوى والمشاعر التي أصبح بها الإنسان إنساناً والتي تميز بها الآدميون عن الأجناس الأخرى من المخلوقات الحية المتحركة بالإرادة.
الجميع يخضعون لتلك القوى التي تختلف آثارها في داخل كل فرد، فبعضهم يتأثر فيها بشكل كلي، والبعض الآخر يتأثر فيها بشكل جزئي.
ومن جملة تلك المشاعر قوة الحزن التي ينتج عنها البكاء في الغالب، وأقول في الغالب لأن هناك أحزاناً لا ينتج عنها البكاء، وهناك بكاء يحصل من دون حزن كما هو حال كثير من الناس الذين يبكون لأسباب كثيرة غير الحزن.
وهذا يعني أن الإنسان مجبول على هذا الشعور ومحكوم لهذا النظام التكويني، وهذا يعني أيضاً أن البكاء دليل على سلامة المشاعر في داخل الإنسان، فالبكاء إذاً ليس دليل نقص أو ضعف بل هو دليل العافية في جبلّة الإنسان، ومن هنا نحن ندافع عن أهل البكاء من أنهم يمارسون وضعهم الطبيعي، فليس من العيب أن يبكي الإنسان ويعبّر عن مشاعره الداخلية بل العيب في قساوة القلب وجمود الدمعة.
وأثر البكاء على الإنسان يختلف باختلاف الطبع الذي يحكم المرء، فمنهم من يزيد البكاء في حزنه وألمه ويجعل منه رمزاً للكآبة والشؤم، ومنهم من يفرج عنه بكاؤه ويزيل عنه حزنه أو يخففه على الأقل، ومنهم من لا يتأثر حزنه بالبكاء فلا يزيد به ولا ينقص.
أما النوعان الأولان فهما من طبيعة البشر، ولكننا ننصح أهل النوع الثاني بالتغيير كيلا يقتلهم الحزن لأن الإنسان صاحب الطبع السليم يبحث عن العوامل التي تخفف عنه آلامه لا التي تزيده هماً فوق همه وغماً فوق غمه.
والبكاء إما أن يكون نعمة وإما أن يكون نقمة، أما النوع الأول فهو من النعمة لأن فائدته كبيرة ومعتبرة، وأما النوع الثاني فهو النقمة بعينها، وقد يتحول البكاء من النوع الثاني إلى عمل محرم يأثم صاحبه ويحاسَب عليه في يوم القيامة، وهنا يعود القرار لصاحب البكاء، فعليه أن يتحلى بالوعي والحكمة والإرادة كيلا يهلك في الدنيا قبل الآخرة.
والتخلص من البكاء المشؤون يحصل عن طريق جعلِه ذا معنى يقبله العقلاء، ونحن هنا نذكر بعض المعاني للبكاء.
إما أن يكون معناه التعبير عن الحزن، وهذا أمر طبيعي قد جُبل عليه الإنسان من الأساس.
وإما أن يكون معناه التعبير عن الفرح، وهذا يكون غالباً في المرأة لأنها سريعة التأثر بالحزن والفرح أكثر من الرجل، وقد يشارك بعض الرجال النساء في هذا السلوك.
وإما أن يكون معناه التعبير عن الخوف من بعض الحوادث المرعبة كما يبكي الأطفال وبعض الكبار عند حدوث كارثة أو معركة أو غير ذلك مما كان من شأنه الإبكاء لفئة من الناس.
وإما أن يكون معناه الخوف من الله تعالى وهذا أعلى مراتب البكاء الحميد.
وإما أن يكون معناه مركّباً من أمرين، التعبير عن الحزن والتعبير عن رفض الظلم كما هو حال بكاء المؤمنين لمصائب أهل البيت(ع) ومن هنا فإننا ننصح كل الباكين على مصيبة الحسين أن يجعلوا لبكائهم عليه ثلاثة معان.
الأول: التعبير عن الحزن لأن ذلك عبادة لها أجرها وثوابها عند الله عز وجل.
الثاني: التعبير عن رفض الظلم بشكل عام ورفض الظلم الذي حل بالحسين وأهل بيته وأصحابه بشكل خاص.
الثالث: التعبير عن التقرب إلى الله تعالى حيث يمكن التقرب إليه عن طريق البكاء لمصائب النبي وآله والمؤمنين أيضاً لأن الشعور بالحزن للمؤمن هو عبادة لله عز وجل.
وقد استنبط هذه المعاني من الحديث القائل: كل العيون باكية يوم القيامة إلا عين سهرت في سبيل الله وعين بكت من خشية الله وعين بكت لمصيبة أبي عبد الله:
وبعد هذه المقدمة المطولة يمكن لي أن أدخل إلى صلب البحث وهو بيان آثار الحزن على النهج الحسيني عبر تاريخه.
وهنا نسأل أنفسنا وربما يطرح علينا البعض هذا السؤال: هل للحزن أو البكاء أثر على استمرارية النهج الحسيني، وإذا كان هناك من أثر فهل هو العامل الوحيد الذي حفظ هذا النهج؟
أظن أن الجواب على هذين السؤالين معلوم لدى أكثر الناس، ولكنه من باب إتمام الحجة سوف نجيب بشكل مبسط وواضح.
أما الإجابة على السؤال الأول فإننا نجيب بالإيجاب لأن العامل العاطفي كان وما زال له دور بارز في تمسك الناس بهذا النهج أو هذا المعتقد، ولا يمكن لأحد أن ينكر هذا الأثر حيث ينسجم مع طبيعة الإنسان، وهذا الأثر لا يختص بالمناهج الإسلامية فقط فإن هناك الكثير من المناهج المختلفة قد حُفظت عن طريق العامل العاطفي أو الصلة العاطفية بعض الماضين والحاضرين.
وإذا كان للعامل العاطفي أثر على حفظ النهج فهو في معتقدنا ومبادئنا آكد لأن حزننا كما ذكرنا قبل قليل لا يقتصر على الدمعة حيث كان له ثلاثة معان، وواحد من هذه المعاني الثلاثة كفيل بالتمسك في المنهج أو في المعتقَد.
نعم لقد كان للبكاء على مصيبة الإمام الحسين دور في حفظ نهجه وتعاليم مدرسته ولم يكن ذلك بفعل فاعل بل هو نابع من مشاعر المؤمنين بالحسين إذ لم يجبرهم أحد على البكاء أو الحزن لأن البكاء ينبع من حاق فهمهم للحسين وحبهم له، والحبيب يتأثر بحبيبه حزناً وفرحاً، ومن هنا فإننا نفرح لأفراح آل محمد ونحزن لأحزانهم، هذا بالإضافة إلى كون هذا السلوك عبادة عظيمة عند الله تعالى، وهذا من أعظم مصاديق قول النبي(ص): مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء: وهذا الحكم لا يختص بالموجودين حالياً بل هو يشمل الماضين من عهد آدم وإلى يومنا هذا ثم إلى يوم الحساب.
والنتيجة التي أريد الوصول إليها والوقوف عليها من خلال هذا البحث هو أن ذكرى عاشوراء تحمل في جعبتها الكثير من أنواع الحزن والأسى واللوعة والأذى نتيجة للظلم الكبير الذي وقع على قائد ثورة كربلاء ومن رافقه إلى ساحة الجهاد والشهادة.
والحزن على تلك الواقعة ناتج عن الحدث الجلل الذي حصل في العاشر من محرم سنة إحدى وستين للهجرة، فعاشوراء ذكرى محزنة لأنها تحكي لنا وقائع حادثة مؤلمة أخذت الطابع الإنساني قبل أخذها للطابع الإسلامي وكان من شأنها أن تحوّل دموع الباكين لها إلى قطرات دم القطرة الواحدة منها تفتت جبال الأرض الشامخةَ والثابتة.
إذاً.. ذكرى عاشوراء ذكرى مؤلمة ومحزنة ولكنها ليست ذكرى الألم والحزن، فهناك فرق كبير بين هذين التعبيرين لأننا إذا وصفناها بذكر الحزن فقد جردناها من جميع صفاتها ومضامينها وأهدافها ونتائجها ونكون قد نسفنا كل مخططات قائدها لأننا من خلال هذا الوصف المحدود سوف نحوّل هذه الثورة بجميع خصالها ومضامينها ومقدماتها وذلك المسلسل الذي دام سنوات إلى مجرد صدفة لم تكن بالحسبان وظروف هي التي رسمت ذلك الواقع فننزع منها حينئذ صفة التضحية والإباء والوفاء والإخلاص والإيثار والبطولة والجهاد والإصلاح وكلَ صفة اتصفت بها تلك الثورة المجيدة، ونحن إذا آمنا بامتياز تلك الثورة واتخذناها نهجاً لنا في حياتنا فلأجل الأهداف التي حملتها وحققتها، فإذا لم يكن لانتهاجنا هذا النهج سبب وجيه ومقبول لدى الأعراف المنطقية فسوف نتحول إلى جماعة متعصبة تحكمها المشاعر قبل العقول وتسيطر عليها التقاليد والعادات.
إذاً ذكرى عاشوراء ليست ذكرى الحزن وإن أحزت، وليست ذكرى البكاء وإن أبكت البشر والشجر والحجر، بل هي ذكرى الحق والمجد والعزة والشرف والكرامة وذكرى الإنتصار المميز، وأقول المميز لأن النصر الذي تحقق بها كان خارجاً عن المعتاد والمألوف حيث انتصر مئة شخص عزّل من الطعام والشراب والسلاح على جيش تجاوز عدد أفراده الثلاثين ألفاً بل على الأمة كلها لأن الأمة كلها في تلك المرحلة قد شاركت في ارتكاب تلك الجريمة الإنسانية بطريق مباشر أو غير مباشر.
فمنهم من أعان عليها بالسيف، ومنهم بالكلمة، ومنهم بعدم النصرة، ومنهم بالخذلان، ومنهم بالخوف من يزيد وأعوانه، ومنهم بالسكوت عن الحق، والساكت عن الحق شيطان أخرس.
الشيخ علي فقيه



