مؤلفات

قصة اجتماع الشمل

قِصَّةُ اجْتِماعِ الشَّمْل

(يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)
لا يمكن تفسير بعض ما جاء عن الأنبياء(ع) من أقوال وأفعال لأنهم يتصلون بالغيب عن طريق الوحي ويعلمون من الله تعالى ما لا يعلمه غيرهم من الناس، ولهذا يجب الفصل بين السلوك البشري التقليدي، والسلوك النبوي القدسي.
ولعله يوجد لغةٌ خاصة بين الأنبياء فهم يفهمون على بعضهم بطرق لا نفهمها نحن البشر العاديين.
فما الذي جعل يعقوب في هذه المرة يطلب من أبنائه التحسس في أمر يوسف، فلقد ذهبوا إلى مصر ثلاث مرات قبل ذلك ولم يطلب منهم هذا الشيء.
وهنا يكمن السر الذي يجب ردُّه إلى الله تعالى، فهو سبحانه ينير قلوب أنبيائه بمعرفة المجهولات عن طريق الوحي والإلهام.
ففي هذه المرة شعر نبي الله يعقوب(ع) بوجود يوسف في مصر، ولعله إلهامٌ من الله تعالى الذي أراد أن يرحم قلب عبده يعقوب ويجمع شمله بأولاده.
وقد اشتد القحط في أرض الكنعانيين فطلب يعقوب من أولاده أن يذهبوا إلى مصر لهدفين هذه المرة، الهدف الأول هو البحث عن يوسف وأخيه لأنه لم ييأس من إيجاده فإنه لا ييأس من رحمة الله إلا الكفار، والهدف الثاني هو جلب الطعام من مصر الغنية بالحبوب بفضل حكمة يوسف(ع).
جمع أخوة يوسف متاعهم وتوجهوا للمرة الثالثة إلى مصر، ولم تكن هذه المرة كسابقاتها، فلقد شُوّهت سمعتهم عند أهل مصر بسبب صواع الملك الذي وُجد في رحل أخيهم بنيامين، والذي أبقاه يوسف عنده وكشف له عن السر فتعانقا طويلاً وفرحا كثيراً، وتوجهوا نحو مصر للبحث عن أخويهما وجلب الطعام.
(فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)
وصلوا إلى مصر ولم ينفّذوا وصية أبيهم في البحث عن يوسف، ولعلهم لم يفعلوا حيث كانوا يائسين من إيجاده، أو أنهم قابلوا العزيز أولاً حتى يستعينوا به على كشف مصير أخيهم.
لقد أحضروا معهم من بلادهم بضاعة رخيصة(مزجاة) لا يملكون غيرها، وقد راحوا يستعطفون العزيز أن يقبل تلك البضاعة الرخيصة مقابل بعض المؤمن من خزائنه، وأما قولهم(وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ) فقد ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بها تصدّق علينا بافراج عن أخينا لأنهم لم يريدوا الحبوب صدقة حيث جلبوا معهم ثمنها.
وكان مظهرهم يُنبئ عما في قلوبهم من القحط والجوع والإستكانة، وقيل إنهم كانوا يحملون رسالة من أبيهم إلى عزيز مصر وقد سلموه الرسالة فأخذها باحترام وراح يقبّلها ويبكي، ولم يعُد بإمكانه الصبر على إخفاء الأمر عنهم فبادرهم بالقول(قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ) ولعظيم أخلاقه لم يؤنّبهم بل أعطاهم العذر بأنهم فعلوا ما فعلوه بيوسف وبنيامين عن جهل، وتفيد بعض النصوص بأن أخاهم بنيامين قد عانى منهم كثيراً، وعندما سمعوا تلك الكلمة من العزيز أدركوا بأنه أخوهم يوسف فتمنوا حينها أن تنشق الأرض وتبتلعهم.
(قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) وإن أعظم المنن الإلهية هي جمع شمل الأحبة بعد الفراق الطويل.
(قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)
وهنا اعترفوا بالخطأ الذي ارتكبوه وقد أخبرهم أخوهم يوسف بأن الله تعالى يغفر لهم إن تابوا وأصلحوا، أما عنه(ع) فقد أسقط عنهم حقه الشخصي، وهذه هي أخلاق الأنبياء الذين لا يحملون في قلوبهم غلاً على أحد.
(اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ)
أعطاهم قميصه كدليل على وجوده وأمرهم أن يرجعوا إلى أرضهم ويأتوا بجميع الأهل، فرجعوا إلى أبيهم فرحين مستبشرين، ولدى وصولهم إلى دار يعقوب الطاعن في السن أذهلهم قيامه السريع وقوله إني أشم ريح يوسف(وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ) ولكنني أخاف أن تتهموني بالجنون.
(فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)
وهنا أقروا بعظمة أبيهم النبي لأنه ينظر بعين الإيمان ويعلم أموراً هم لا يعلمونها فأذعنوا لأبيهم وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم فاستغفر لهم، ثم جمعوا المتاع وتوجهوا نحو مصر لملاقاة الأحبة، والله وحده يعلم مدى الفرحة التي استحوذت على قلب يعقوب وولده يوسف، وقد استقبلهم أحسن استقبال، وأقيمت الإحتفالات في مصر بهذه المناسبة السعيدة.
(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)
رفع أبويه على عرشه، أما أخوته فقد سجدوا لله أمامه، فنظر إليهم وتوجه بالحديث إلى أبيه مبيناً له أن هذا هو تأويل رؤياي التي قصصتها عليك من قبل وقد حققها الله تعالى في هذا اليوم.
وهناك تفاصيل كثيرة في هذه القصة لم أتعرض إلى ذكرها على أمل أن نبينها في قصة أخرى.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى