
لا مَاءَ ولا طَعَام
بإمكاني أن أنتقل بكم إلى بلاد الهند مباشرة بتخطي أحداثٍ كثيرة عبر أشهر رحلتهم، وهو أسلوبٌ غير نافع لأنه سوف يميت روح القصة ويذهب بروعة المغامرة، وهو ما نبحث عنه من خلال هذه الرواية، فالإنتقال السريع سوف يحرمنا من متعة التشويق ويمنعنا من اكتساب بعض المعلومات التي استفادها شبابنا في طريق سفرهم، وهي أكثر بكثير مما استفادوه في بلاد الهند، ومواكبتهم يوماً بيوم أمتع لقلوبنا من الحذف أو الإنتقال السريع، فلا أريد أن يفوتنا شيء من الأحداث المشوقة، وإلا فلن يبقى للقصة أي نفع، وإذا تجردت القصة عن المنفعة كان وجودها كعدمها، بل كانت مَضيَعة للوقت دون فائدة.
فبعد تلك العاصفة الشديدة التي كادت تودي بحياتهم، وبعد استرجاع الدواب والمتاع من الرجلين المبتزَّين اللذين أخذا كل شيء منهم مقابل شيء بسيط، شاء القدر أن يستعيد الشباب كل ما خسروه بسبب إصابة أحد الرجلين بلسعة أفعى، ولذا تابع شبابنا الخمسة طريقهم باتجاه وجهتهم الأساسية، وقد ظنوا كالعادة وجود مدينة أو قرية على بُعد أيام من مكان انطلاقهم الأخير، فلم يوفّروا الطعام، ولم يقتصدوا بشرب الماء، والحقيقة هي أنّ الطريق التي سلكوها ليس فيها مُدن أو قرى قريبة، أو واحة ماء في الجوار، وهي طريقٌ طويلة ليس فيها سوى رمال وبعض النباتات الصحراوية الجافة، وكان طعامهم وماؤهم يكفيهم لمدة سبعة أيام، وقد مشوا لأكثر من ذلك حتى جفّت عروقهم من شدة العطش والتصقت بطونهم بظهورهم من كثرة الجوع، وظنوا أنهم أُحيط بهم، ولكنهم لم يستسلموا.
وعلى قاعدة عدم الإستسلام، أو أنّ الغريق يتمسك بشعرة تطفو أمامه، راح حامد المصري بعد أن استعاد عافيته يبحث عما يعطيه الأمل بالنجاة، فقد جال في الجوار لأكثر من ساعتين فلم يجد سوى نبتة فيها شيء من الخُضرة فقطف منها بعض الوريقات وأتى بها إلى رفاقه ليمضغوها ويمتصوا ماءها القليل علّهم يشعرون ببرودة الماء فيستعيدوا بعض نشاطهم، ولكنّ ماجداً راح يفكر ويتأمل، كيف يمكن لنبتة أن يكون فيها حياة وماء لولا وجود الماء تحتها، فسأل حامداً عن مكانها فأرشدهم إليه، ولم يكن بعيداً عنهم، فأشار عليهم ماجدٌ بالحفر تحت تلك النبتة قدر المستطاع.
بدأوا يحفرون ببطون أكفهم وظهورها حتى بدأ التراب يقسو شيئاً فشيئاً، فاستخدموا سيوفهم وخناجرهم إلى أن بلغ عمق الحفرة خمسة أذرع، وبعدها وصلوا إلى ترابٍ مبتلٍّ بالرطوبة فاستبشروا خيراً وتابعوا الحفر حتى بدأ الماء يتجمع، فراحوا يغرفون الماء ويضعونه في القربة ليرسو التراب ويشربوا ماءاً نقياً.
شربوا حتى ارتووا، وملأوا قِربة واحدة ثم جف الماء، وبذلك انتهت مشكلة الهلاك من الظمأ، وبقيت مشكلة الهلاك من الجوع.
قَرْيَةُ الإِسْتغْلاليين
ليس جميع الناس سواسية، ولا يتشابه الجميع في العادات والصفات والأخلاق، فمنهم مَن اتسم بالمكارم والفضائل فكان رمزاً للإنسانية السليمة، ومنهم مَن نزل بنفسه إلى أوضع المستويات فأنساه الطمع كرامته وتشبّه بأرذل المخلوقات.
وبما أنّ المكان الذي كانوا يتواجدون فيه ليس فيه شيء من الطعام، وقد غار الماء الذي شربوا منه أصبحتْ حياتهم على المِحَك وقد أحدق بهم الخطر مرة أخرى وقد شابه ذلك المكان ساحات الموت، لهذا وجب عليهم الخروج فوراً والبحث عن شيء من الطعام في مكان آخر يُنقذهم من الهلاك حتى لو كان أوراق شجر أو كسيرات خبز متعفّن، أو قطع جيفة، فلم يكن أمامهم سوى متابعة السير علّهم يعثرون على مرادهم ويُدركون غايتهم وينجون بأنفسهم، فلقد كانوا يخرجون من خطر ويدخلون في خطر آخر، وتلك هي سُنّة الصحراء.
وخطر الموت من الجوع فيها ربما يكون أكبر من خطر الموت عطشاً، إذ قد يجد المسافر نبع ماء يرويه أو واحة يشرب من مائها، ولكنه ربما لن يجد ما يأكله، فإن ترك أحد المسافرين شيئاً من الطعام مكان تخييمه فسوف تأكلها دواب الأرض حتماً.
وما هي إلا ساعات قلائل حتى وجدوا أنفسهم في مضارب قرية لا تبعد عن مكانهم كثيراً، فساروا باتجاهها مسرعين، وقد عاد إليهم أملهم بالنجاة بعد اليأس الذي استحوذ عليهم.
على مدخل القرية استقبلهم رجل متوسط العمر وبدأ يطرح عليهم الأسئلة الغريبة، مثل..من أين أنتم؟ وماذا تحملون معكم؟ وهل معكم مال أو بعض النفائس؟ وما شاكل ذلك مما يريب النفس ويُشغل البال، فلقد تطيّر شبابنا منه ومن أسئلته الغريبة ونظراته الأغرب، ولكن لم يكن أمامهم سوى الدخول إلى القرية ليُشبعوا جوعهم مهما كانت العواقب، فكل شيء أهون من الموت جوعاً في أرضٍ بعيدة ومنطقة خاوية.
طلب منهم أن يتبعوه، وسار بهم نحو القبيلة التي وصل خبر شبابنا إلى أهلها بسرعة البرق، فخرج الجميع من دورهم، وبمجرد اقترابهم منهم راح أهل القرية يتقاتلون، مَن يظفر بهم أولاً ويصطحبهم إلى داره، فظنّ الشباب بأنهم يفعلون ذلك بداعي الكرم وإقراء الضيف، ولكن الحقيقة أنهم صنعوا ذلك من أجل الكسب المادي، فهي قرية لا تشبهها سوى القرية التي دخلها كليم الله موسى والخضر(قرية البخلاء) فقد اتفق أهل القرية أن يكون فطور الشباب عند واحد، والغداء عند آخر، والعشاء عند ثالث، وهكذا حتى لا يبقى مع الشباب فلس واحد، وهي طريقتهم لكسب العيش، وبئس الطريقة وأصحابها حيث أودت بسمعة ونخوة القبائل العربية.
لقد كان الوقت وقت غداء، وقد طهى لهم صاحب الدار أشهى الطعام وصنع لهم وليمة كبيرة ومتنوعة الأطباق بعد أن ذبح لهم شاةً وثلاث دجاحات، فعندما اشتم الشباب روائح الطعام ازداد جوعهم، ولكن قبل أن تصل أيديهم إلى الطعام طلب منهم صاحب الدار عدم أكل شيء قبل دفع الثمن.
فقالوا له مندهشين: أهكذا تعاملون الضيوف؟ فأجابهم: إننا نعتاش بهذه المهنة ولسنا ممن يُكرم الضيف، وكما رأيتم فإنّ قريتنا فقيرة وبعيدة ولا أحد يسأل عنا، فحينها أدرك شبابنا حجم الخطر الذي أحدق بهم وعمق الفخ الذي وقعوا فيه، فالقوم الذين يعاملون الغرباء بهذه الطريقة لا يُؤمَن على النفس من غدرهم وشرور أطماعهم، ثم سألوه: وكم تريد ثمن هذا الطعام؟ فقال: مئة قطعة ذهبية، فاستغرب الشباب من طلبه شبه التعجيزي، أيُعقل أن تأخذ منا مئة قطعة من الذهب مقابل طعام لا يساوي قطعة واحدة، ثم رفضوا طلبه وتهيأوا للخروج، فقال لهم صاحب الدار: لو دخلتم غير داري لطلبوا منكم أكثر من مئة قطعة، فتشاوروا فيما بينهم ورأوا أن يعطوه عشرين قطعة مقابل بعض الطعام على أن يحملوه معهم، فوافق على عرضهم ووضع لهم الطعام في كيس ثم طلب منهم الخروج من الباب الخلفي كيلا يظفر بهم غيره فلا يجدون لأنفسهم مخرجاً لأن رجال القرية كانوا ينتظرونهم خارج الدار، ولعل هذا هو العمل الوحيد السليم الذي قام به هذا الرجل.
حملوا الطعام وخرجوا من الباب الخلفي وركبوا الجمال وخرجوا من تلك القرية على وجه السرعة، وتحمّلوا الجوع لساعات إضافية كيلا يلحق بهم أحد أفراد القرية، وكان ما حدث لهم درساً لا يُنسى، وقد تعلّموا أن يكون الحذر أمامهم في كل زمان ومكان.
طِفْلٌ تائِهٌ في الطريق
الأحداث في الصحراء لا تنتهي، مسافرون وقوافل وخوفٌ وظمأ وقُطّاع طرق إلى غير ذلك من الأحداث الكثيرة والمثيرة والنافعة لأنها عبارة عن تجارب يُستفاد منها على مرّ العصور، ودروسٌ تستحق التأمل والإهتمام.
أما شبابنا الخمسة فقد أنقذتهم سرعتُهم من شر أهل القرية الطماعين بعد أن خسروا من القِطَع الذهبية ما يؤثّر سلباً على تجارتهم، ولكن لم يكن في اليد حيلة، فقليلٌ من الذهب مقابل النجاة من الموت ليس خسارة، فلقد تقبّلوا خسارة بضع المال كيلا يخسروا الكل، وقد كان من المحتمَل أن يفقدوا أموالهم كلها وربما حياتهم لأنّ الطمع يعمي بصيرة الإنسان ويجعله يرتكب أبشع السلوكيات والجرائم، ولو أنهم مكثوا في تلك القرية ليلةً واحدة لخرجوا منها دون طعام ومال ودواب حيث كان أهلها يتربصون شراً بكل قادم إليهم دون أية مراعاة للعادات والتقاليد التي تُلزم باحترام الضيف وإكرامه.
لقد ساروا في الإتجاه الصحيح، ولكنها كانت طريقاً طويلة خالية من الماء والطعام، ويندُر مصادفة قافلة فيها، فالذي يريد عبور تلك الصحراء يجب عليه التزود بالطعام والماء ما يكفيه لمدة شهر أو أكثر.
أما شبابنا فلم يكن معهم سوى الطعام الذي اشتروه من القرية، وقد أكلوه في وجبة واحدة ثم عاد الأمر بهم إلى نقطة الصفر، وقد شغلهم الحصول على الطعام والماء عن هدفهم الأكبر، حيث أصبح همهم النجاة أولاً، فإن نجوا تابعوا المهمة، وإلا فالتسليم للمصير هو ديدن العقلاء، والتفويض للقدر هو الطريقة المُثلى بعد نفاد كافة الوسائل المتاحة.
مرّت الليلة الأولى وقد باتوا دون طعام، فشرب كل واحد منهم الجرعة الأخيرة من الماء المتبقي معهم، ثم ناموا وهم يحلمون بالماء والكلأ.
وبعد النوم المتقطع نتيجة القلق والجوع والعطش استيقظوا مع بزوغ الفجر وسارعوا إلى حمل أغراضهم، وانطلقوا في وجهتهم، وهم على أمل أن يجدوا حاجتهم، وبعد ساعات اشتدت حرارة الشمس فأرادوا الإستظلال تحت شجرة يابسة كانت في الطريق، وعندما دنوا من الشجرة سمعوا صوت بكاء طفل يأتي من جهتها، فتقدموا نحوها أكثر وبدأوا بالبحث، فهم ما زالوا يسمعون صوت البكاء قريباً منهم ولكن دون أن يجدوا مصدره، ففتش حامد في أعلى الشجرة فوجد طفلاً يبكي وهو يتمسك بأحد أغصانها العالية يرتجف من شدة الخوف والجوع والعطش.
تسلق حامد إلى الشجرة وأنزل الطفل ببطئ وحذر كيلا يسقط فيموت، ثم راح الشباب يهدئون من روعه ويخففون خوفه وقلقه، ولما هدأ روعه واطمأن سألوه عن قريته وما الذي أتى به إلى هذا المكان الموحش؟ فأعطاهم بعض الإشارات التي يمكن أن تفيدهم في بلوغ القرية التي يقطنها أهل الطفل، وبذلك ضربوا عصفورين بحجر واحد، إرجاع الطفل إلى أهله، والحصول على الماء والطعام، وقد كان لقاؤهم بالطفل مؤشر خيرٍ لهم.
في البداية دلهم على طريق فمشوا فيها لساعتين حتى وصلوا إلى مكان تستحيل الحياة فيه حتى للبدو الرُّحل فأدركوا حينها بأنّ الولد ما زال مشوش الذهن وقد دلهم على الطريق الخطأ، ثم طلبوا منه الهدوء والتركيز فأرشدهم إلى طريق آخر فمشوا لأكثر من ساعة حتى بدأوا يلاحظون إشارات حياة بالجوار وهي عبارة عن روث ماعز وبعض الأواني المهمَلة والقليل من فتات الخبز اليابس، وما هي إلا ساعة حتى وصلوا إلى مشارف قرية كبيرة جداً فتفاجأ الجميع لوجود مثل تلك القرية في هذا المكان.
قَرْيَةُ الحَاكِم زِيَاد
البعض يتوهمون بأنّ الصحراء مجرد مساحات رملية واسعة ليس فيها مقومات حياة وهذا حطأ واضح لأنّ الحقيقة هي أنها مأهولة بالقبائل الكثيرة والقرى الكبيرة والقوافل الذاهبة والآتية، ولكن نسبةً لاتساعها يحسبها البعض خالية، ويمكن إطلاق(أرض المفاجآت) على الصحراء حيث قد تصادف فيها ما لم يكن بالحسبان كما حصل لشبابنا بعد أن وجدوا الطفل الضائع حيث كانوا يظنون بأنها أرض قاحلة وأنهم قادمون على الموت المحتم.
أما قرية زياد، فهي قريةٌ عربية كبيرة في قارة أفريقيا، وهي قرية مترامية الأطراف ذات مضارب غنية، وأشجار عالية وعيون ماء كثيرة وفيها أكثر من سوق مكتظ بالباعة والبضاعة، ويمكن وصفها بالواحة الكبيرة في وسط الصحراء.
وعدد سكانها كثيرٌ جداً يحكمهم رجل حكيم يُدعى(زياد) وله شرطةٌ تنظم شؤون قريته، وجيشٌ يحميهم وكأنها دولة مُصغَّرة، وفيها مجلس حُكم يستشير الحاكم أعضاءه في القضايا العامة.
كما ويمكن وصفها بالمملكة الصغيرة لأنّ نظامها يُشبه أي نظام مَلكي آخر.
أما الطفل الضائع فهو ابن الحاكم زياد، وقد ضاع في رحلة استجمامية كان قد اصطحبه إليها أحد الجنود الذي سُجن ريثما يظهر الطفل، فقد ظنّ الحاكم وكثيرون معه بأنّ الطفل قد اختُطف بمآمرة دبّرها أعداؤه بالإتفاق مع الجندي، وهم يريدون قتله حتى يكسروا شوكة أبيه، أو فدية كبيرة تقصم ظهر الدولة، والحقيقة لا هذا ولا ذاك.
وكان مجلس الحكم يعقد الإجتماعات التشاورية المكثّفة من أجل حل تلك المشكلة دون أن يكون الثمن حياة الجيش كله، وأموال الناس جميعاً.
الجميع قدموا افتراضات وتصورات واحتمالات كانت بعيدة عن الواقع، ولم يقدّم أحدهم فكرة أن يكون الولد قد ضاع، ولهذا فقد اكتفوا بالإجتماعات ودراسة الأمر من دون أن يرسلوا أفراد الجيش للبحث عن الطفل، ولعل ذلك كان حكمةً غيبية من أجل إنقاذ شبابنا من الهلاك، فقد شاءت الظروف أن يجتمع شمل الطفل مع أبيه على أيديهم ليهنأوا قليلاً بعد الأذى الذي لاقوه في الأسبوع الماضي.
عندما اقتربوا من أسوار المدينة كان أفراد الجيش منتشرين في كل مكان، فتقدموا نحوهم وأخبروا قائدهم بأمر الطفل فبدت البسمة على وجهه والفرحة على محيّاه، فأرسل القائد جندياً على وجه السرعة إلى القصر ليُخبر الحاكم بأنهم وجدوا ولده، وقد طلبوا من شبابنا أن يبقوا في مكانهم ريثما يأتيهم أمر الحاكم.
وما هي إلا ساعة حتى وصل الحاكم على وجه السرعة يرافقه الجنود واعضاء مجلسه، وقد عانق ولده بشدة وحمد الله على نعمة رجوعه سالماً ووجّه شكراً خاصاً إلى شبابنا ودعاهم إلى دار الضيافة، ودخل الجميع تلك القرية الواسعة، ووصل الشباب إلى المكان المخصّص لهم فاغتسلوا وأكلوا أشهى الطعام وناموا على وسائد ريش النعام وقد شعروا حينها أنهم في الجنة، ولكن النعمة لا تدوم والفرحة لا تستمر بسبب بعض شياطين البشر من الحاقدين والمتزلفين.
إتِهَام الشبَابِ بِخَطْفِ الطفْل
طريق الوصول إلى السعادة مُعبَّدٌ بالأشواك ومُكلَّلٌ بالمتاعب، ولا راخةَ إلا بعد تعب، ولا نجاح إلا بعد الفشل، والعاقل هو الذي لا يلتفت إلى المقدمات والوسائل، بل إلى النتيجة في النهاية، فقد يحسب ما حلّ به شراً له، ويكون الخير كله فيما وقع.
فبعد رجوع الطفل إلى أحضان أبيه واحتفال القرية بهذه المناسبة السعيدة انعقد مجلس الحكم للتشاور فيما حدث من ضياع الطفل ورجوعه، ودراسة الظروف التي غاب فيها والتي عاد فيها أيضاً، والتشاور في تحديد قيمة الهدية التي يريد الحاكم منحها للشباب الذين يستحقون كل خير على إنسانيتهم.
بدأ الحاكم بمشاورتهم وقد سألهم:برأيكم كم يستحق هؤلاء الشباب على صنيعهم الطيب؟ فلم يتفوه أحد منهم بأية كلمة، فأدرك الحاكم حينها أنهم غير موافقين على منح الشباب هدية لسبب يريد الحاكم معرفته في تلك الجلسة، ولهذا ذكر على مسامعهم رقماً كبيراً حتى يستنطقهم من خلال ذلك فقال لهم: أرى أن نعطيهم ألف قطعة ذهبية: فعندما سمع الأعضاء هذا الرقم ضجوا جميعاً كلٌ يتفوه بكلمات الإستنكار والإستغراب، وقد استكثروا هذه الهدية خصوصاً وأنَّ خزينة الدولة كادت تفرغ بسبب مصاريف الجيش والشرطة وشؤون الحكم ورواتب أعضاء المجلس.
فطرح أحدهم منحهم ربع المبلغ المذكور، وآخر استكثر ذلك فطرح العُشْر، وبعضهم لم ير من داع لإعطائهم شيئاً والإكتفاء بتكريمهم وإطعامهم، وآخرهم أراد أن يُبعد شبح العطاء عن نفوس الأعضاء فزرع في أدمغتهم فكرة أن يكون الشباب هم الذين خطفوا الطفل ثم أرجعوه بهدف كسب الهدية، فقال: رأيي أنّ ما حصل هو مَكيدة من هؤلاء الغرباء حتى ينالوا جائزة الحاكم حيث لا يستحقون فلساً واحداً لأنهم هم الذين اختطفوا الطفل وأرجعوه بدافع الطمع.
فعندما سمع الحاكم هذا الكلام أراد أن يعرف رأي بقية الأعضاء فأجمع الجميع على موافقة آخرهم وهم في قرارة أنفسهم مؤمنون بأنّ الشباب لم يرتكبوا أي خطأ، ولكنهم أشاروا على الحاكم أن يسجنهم على ذمّة التحقيق حتى تظهر الحقيقة.
ولم يكن باستطاعة الحاكم أن ينقض قرارهم خشية الإنقلاب عليه، ولكنه جاراهم حتى يُثبت لهم خطأهم، وقد أمروا قائد الشرطة بإدخال الشباب إلى السجن فوراً، وقد استقر بهم الأمر في زنزانة مظلمة دون ذنبٍ اقترفوه، ولكن هكذا هي الدنيا، وهذا هو حال البشر.
شَهادَاتٌ كَاذِبَة
شعر صاحب الفكرة الظالمة أنّ الحاكم لم يصدقه فقام بمكيدة قذرة ليُثبت للحاكم وأعضاء المجلس أنه ذو بصيرة وحنكة وأنه أهلٌ للمنصب الذي يشغَله في السلطة، وأنّ ما ادعاه هو الحقيقة التي لا تُنكَر، فاستدعى ثلاثة من أفراد الشرطة كان قد سمع عن تجاوزاتهم وظلمهم لأهل القرية باسم الحاكم ومجلسه، فأراد أن يعقد معهم صفقة قذرة، وهي الإدلاء بشهادات كاذبة يتهم بها الشباب بالإختطاف مقابل العفو عن تجاوزاتهم ومنحهم غطاءاً لما سوف يفترون به على الناس، فوافقوا على الفور ودون أي تردّد، وقد علّمهم ما يقولون أمام الحاكم والمجلس.
وكان رئيس الشرطة قد بدأ التحقيق مع شبابنا الخمسة دون أن يثبت عليهم أية إدانة، وكان مقتنعاً بكل ما قاله الشباب، فكتب إلى الحاكم نص التحقيق والنتيجة، وقد أرسله إلى مجلس الحكم، فوصل الكتاب إلى صاحب فكرة الشهادات الكاذبة فأخفى الكتاب عن الحاكم وباقي زملائه حتى صدور الحكم المبرم في حق شبابنا.
انعقد المجلس مجدداً وقد مثل الشهود الثلاثة بين أيدي الحاكم، وقد أقسموا أنهم رأوا شبابنا الخمسة وهم يختطفون الطفل بالقوة، فأجابهم الحاكم بقوله: طالما أنكم رأيتموهم يخطفون ولدي فلماذا لم تقاتلوهم وتجبروهم على إرجاعه؟ فعندما سمعوا كلام الحاكم بنبرة قوية مشحونة بالغضب الشديد ارتبكوا واسودت وجوههم وهم ينظرون إلى عضو المجلس الحقير وكان وجهه مسوداً أكثر من سواد وجوههم، وقد ساد الصمت قاعة المجلس.
وعلى الفور استدعى الحاكم قائد شرطته، فأراد أعضاء المجلس صرف نظره عن الأمر فأصر على طلبه وأجبرهم على البقاء في أماكنهم، وما هي إلا برهة من الوقت حتى وصل قائد الشرطة فمثل بيد يدي الحاكم الذي ابتدأه بالقول، إلى أين وصلتَ بالتحقيق مع الشباب؟ فقال قائد الشرطة: لقد حققت معهم بكل الوسائل الممكنة ولم يثبت عليهم ما اتُهموا به، ولو كان الأمر بيدي لأعطيتهم صك براءة، إنهم مجرد شباب عندهم طموح بالنجاح، وهم يريدون السفر إلى بلاد الهند لجلب البضائع وكسب الثقافة، وقد أرسلتُ لكم كتاباً شرحت فيه الموقف.
فقال له الحاكم: متى أرسلتَه؟ فقال: يوم أمس يا سيدي: فنظر الحاكم إلى أعضاء مجلسه وعيناه محمرتان من الغضب وسألهم عن الكتاب، فأجابه العضو الظالم، أجل يا سيدي وصلني كتاب رئيس الشرطة ولكنني نسيت أن أعرضه عليكم، فقال له الحاكم، ويحك، إنه عذرٌ أقبح من ذنب، هات الكتاب على الفور، فأخرجه من جيبه وسلّمه إلى الحاكم ويداه ترتجفان من الخوف والقلق.
حاول العضو القبيح أن يتهم رئيس الشرطة بالتواطئ مع الشباب لإخفاء الحقيقة، ولكنها كانت محاولة فاشلة حيث أيقن الحاكم بحجم الشر الذي يستقر في قلب عضو المجلس وأنّ استمراره في المجلس سوف يُشكّل خطراً على مصلحة الدولة.
ثم طلب رئيس الشرطة استدعاء ابن الحاكم للإدلاء بشهادته، وكان صبياً مميزاً بين الخير والشر والخطأ والصواب، فاستحب الحاكم تلك الفكرة وأمر بإحضار ولده، وأعضاء الحكم ساكتون قلقون وكأنّ على رؤوسهم الطير، وقد طلب رئيس الشرطة من الحاكم أن يتولى هو توجيه الأسئلة إلى الطفل كيلا يرتبك إن سأله والده الحاكم، فوافق على هذا الطرح.
إِدَانَةٌ جَديْدَةٌ لأَعْضَاء المَجْلِس
وجوه المشابهة في مثل هذه القضايا كثيرة تتماشي مع كل زمان ومكان بسبب جشع الكثيرين من المتلهفين على المال والسلطة والذين يتحولون إلى شياطين بشرية يسعون لبلوغ الغاية مهما كانت الوسيلة.
فعندما طلب رئيس الشرطة استدعاء ابن الحاكم الذي كان ضائعاً حاول أعضاء المجلس صرف نظره عن الأمر بحجة أنه ولدٌ صغير لا يُعتمد على كلامه ولا يجوز أن نُدخل الصغار في مثل هذه القضايا، وكانت حركاتهم مريبة وكلامهم يدعو للقلق وقد ظهر في صفحات وجوههم ما قد أخفوه من الشر مما أثار غضب الحاكم الذي اعتبر كلامهم عن ولده استهتاراً به وإهانة له، فأصر حينها على استدعاء ولده، فمثُل الولد بين أيديهم بعد أن استدعوا الجندي الذي كان يرافقه قبل ضياعه، وبمجرد أن نظر الولد إلى الجندي ارتجف وارتبك وبدأ يبكي مما زرع الريبة في نفس الحاكم ورئيس شرطته الذي هدّأ من روع الطفل وطمأنه وطلب منه أن يحكي ما حدث معه وأنه لن يستطيع أحد أن يمسه بسوء.
قال الطفل: بينما كنت ألعب ومعي هذا الجندي طلب مني أن أتسلق شجرة عالية كانت في المكان وأن أقفز من أعلى الشجرة وأنه سوف يلتقطني فرفضت ذلك لأنني كنت خائفاً من السقوط، فأجبرني على الصعود بحجة أنّ الذئب قريبٌ من المكان وأنني إذا لم أتسلق الشجرة فسوف يأكلني، فتسلقت إلى أعلى غصن فيها، ثم طلب مني أن أقفز وكانت الصخور تملأ المكان فرفضت طلبه، فتركني حينها وعاد أدراجه وصرت أصرخ وأبكي وأطلب منه العودة فلم يلتفت إلى الوراء، ثم رجع إلى القرية وتركني على الغصن، وقد أمضيتُ ليلة كاملة هناك إلى جاء خمسة شباب فتسلق أحدهم الشجرة وأنزلني برفق وحذر، ثم دللتهم على طريق القرية فأتوا بي إلى هنا، وكانت معاملتهم طيبة جداً، أما الجندي فقبل أن يبتعد عني وضع أفعى على أسفل الشجرة كان يحملها في كيس معه ثم انصرف، وكان تحاول أن تصعد إلى الشجرة وكنت أضربها بأحد الأغصان، وبقيت هكذا حتى صباح اليوم التالي، ولهذا أنا أكرهه ولا أريد أن يصطحبني مرة أخرى، فقال له رئيس الشرطة لن يصطحبك مرة أخرى، ولن ترى وجهه طيلة حياتك.
وعلى إثر سماع كلام الطفل أمر الحاكم بإعدام الجندي الذي راح يستغيث ويطلب العفو، والحاكم غاضبٌ لا يكترث لكلامه وقد أمر الجلاد أن ينفّذ فيه الحكم على وجه السرعة، ولكن رئيس الشرطة استمهله حتى يحقق معه، فرفض الأعضاء فكرة التحقيق مع الجندي وأن ينفذ أمر الحاكم على الفور خوفاً على أنفسهم، ولكنّ رئيس الشرطة أصرَّ على التحقيق مع الجندي الذي حكى في المجلس كل شيء بالتفصيل وأنّ اثنين من أعضائه طلبا منه أن يرتكب تلك الجريمة البشعة في حق الطفل وأبيه للإستيلاء على كرسي الحُكم، وقد اعترف العضوان بجريمتهما فشملهما حكم الإعدام وخلّص الحاكم أهل قريته من فسادهما وفساد من يعاونهما من الجنود. وكذلك اعتقلوا كل فاسد في جسم الدولة من أكبر مسؤول إلى أصغر موظف، فمنهم من أُعدم ومنهم من سُجن حسب جريمته.
الحَاكمُ زيَاد يُكرِمُ الشبَاب
بعد خلاص أهل القرية من شر أعضاء المجلس وأعوانهم وثبات إخلاص رئيس الشرطة عيّن الحاكم زياد رئيس شرطته رئيساً لمجلس الحُكم لأنه أولى الناس بهذا المنصب الرفيع، وقد اعتبر الحاكم بأنّ هذا الإنجاز إنما حصل بفضل شبابنا الذين أرجعوا الطفل إلى أبيه فأراد أن يُكرمهم أحسن إكرام فأرسل في طلبهم فحضر الجميع على الرحب والسعة، وقد استقبلهم الحاكم على باب قاعة القصر تعبيراً منه على أهمية ما قاموا به، وكان قد مضى على وجودهم في القرية أيامٌ عديدة مما أخّرهم أكثر.
أراد الحاكم أن يُكرمهم فسألهم حاجتهم فأجابوه بأنهم فقط يريدون الخروج بسلام وبعض الطعام والماء حتى يُكملوا سفرهم، وعندما سمع الحاكم كلامهم عظُم شأنهم في نفسه أكثر لأنّ كثيراً من الناس في مثل هذه المواقف يستغلون الفرصة للحصول على المكافئات الكبرى إلا شبابنا فقد كان طلبهم أقل من عادي، ولكنّ الحاكم رفض طلبهم وأصر على منهحم هدية تعينهم في سفرهم وتجارتهم فنادى على أحد مساعديه وأمره أن يعطيهم خمسة جياد أصيلة يمتطونها بدل النياق لأنها أسرع وأقوى، وأمر لهم بمكافئة مالية كبيرة قدرها ألف قطعة من الذهب، ثم خيّرهم بين البقاء في ضيافته قدر ما يشاؤون أو متابعة رحلتهم فاختاروا ما خرجوا لأجله.
فحملوا المال والمتاع والطعام والشراب وخرجوا من قصر الحاكم متجهين نحو بلاد الهند البعيدة.
لقَاءُ الشبَاب بكَبيْر تُجار القَرْيَة
خرج الشباب من قصر الحاكم وهم يمتطون جيادهم الجديدة، وقبل أن يغادروا القرية قصدوا أكبر أسواقها لحمل ما يلزمهم في طريق السفر، فاستوقفهم كبير التجار ودعاهم إلى دكانه يريد محادثتهم في شأنٍ فلم يرفضوا طلبه، وقد حصل ذلك بعد أن انتشر خبر الشباب بين الناس، ولهذا كان جميع من يلتقون بهم يلقون عليهم السلام ويشكرونهم على جميل ما صنعوه للقرية وأهلها، أما تجارها فقد نظروا إلى المال الذي أهداه لهم الحاكم، ولهذا فقد شعر الكثير من تجارها بالطمع لأنه كان مبلغاً كبيراً لا يحلم به أغناهم، فدخل الجميع إلى دكان كبير التجار، وقد بادرهم بقوله: أظنكم تسعون خلف تجارة رابحة؟ فقال ماجد: نعم، فقال كبير التجار: ومن أين تريدون جلب البضائع؟ قال ماجد: من بلاد الهند، فقال التاجر: إنها بلاد بعيدة جداً لا يمكن بلوغها قبل أشهر من السير المتواصل، إنّ قوافلنا تحتاج إلى سنة كاملة ذهاباً وإياباً، ناهيكم عن خطورة الطرق الوعرة والرمال المتحركة والغابات الكبيرة التي لا نعلم أي نوع من المفترسات يقطنها، فما رأيكم لو بعتكم بضائع هندية بنفس السعر الذي يتعاملون به في الهند؟ فقال مجيد: إنها فكرة سديدة، نأخذ البضائع من هنا ونرجع إلى بلادنا ونوفّر على أنفسنا مشقة السفر، فأسكته أمجد بقوله: ولكنّ غايتنا من بلوغ الهند ليست جلب البضائع فقط، وإنما كسب المعرفة والتعرّف على ثقافاتهم وعاداتهم، أليس هذا ما خرجنا لأجله؟ فوافقه الجميع على رأيه، ثم استأذنوا كبير التجار وخرجوا من دكانه متوجهين نحو الطريق التي يقصدونها بعد أن رأوا ملامح الطمع بادية على وجه التاجر، ثم قال حامد: ألم تنظروا إلى رداءة البضائع عنده؟ إنه يريد أن يتخلص منها، فلو أخذناها منه لرميناها بعد أيام في الطريق.
الشيخ علي فقيه

