
مثَلُ نور الله سبحانه
لقد عبّر الله تعالى عن نفسه بالنور، وقد ضرب لنا مثلاً في كتابه عن حقيقة هذا النور الذي ليس كمثله نور من باب تقريب المعنى إلى الأذهان خصوصاً وأن الحقيقة المقدسة مخفية عن الخلق، وفي قبال هذا الخفاء لا بد من إظهار شيء حول تلك الحقيقة تفهمه الأذهان وتقبله العقول مع الحفاظ على شأن الذات المقدسة وتنزيهها عن المخلوقات، وتشبيه الأمر المعنوي بالأمر المادي لا ينقله إلى عالم المادة بل يزيد الأمر وضوحاً وبياناً، وقد مثّل الله تعالى لنوره بمثال عظيم فقال في سورة النور(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) وعندما نقول:الله نور: لا نقصد به الشعاع الصادر من المصدر الحقيقي للنور كالشمس والقمر والنجوم والمصابيح والكهرباء لأن له معنى غير الضوء، ولعل المراد بقوله(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) هو القدرة الحاكمة على المخلوقات أو هو النور القلبي الذي يراه الإنسان بقلبه وروحه وعقله لأنه كلما نظر في الوجود رأى فيها معالم وآثار القدرة التي أخرجته من العدم وجعلت له الأنظمة المتينة والدقيقة، وفي هذا المثل المضروب لبيان نور الله تعالى يوضح لنا المعنى المراد من نوره تعالى الذي هو نور كل شيء ومنور كل شيء ويستحسن هنا أن أذكر لكم فقرة من دعاء الجوشن الكبير نتبرك بها قبل البدء بالكلام حول المثل المضروب في هذه الآية الكريمة، يقول الداعي: يا نور النور يا منور النور يا خالق النور يا مدبر النور يا مقدر النور يا نور كل نور يا نوراً قبل كل نور يا نوراً بعد كل نور يا نوراً فوق كل نور يا نوراً ليس كمثله نور:
(مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ) وهي خرقٌ في الحائط غير نافذ، وهذا الخرق يوجد فيه مصباح، وهذا المصباح في زجاجة تزيد له النور وهو كالدر في صفائه، وبمعنى آخر أن نور الله تعالى كسراج وضع في كوة بداخل الجدار ليجتمع نوره وينحصر ولا يدخل إليه الهواء وهذا السراج داخل قنديل من الزجاج الصافي والزيت الذي فيه من شجرة زيتونة لا تصيبها الشمس عند الشروق ولا عند الغروب فقط بل هي شرقية وغربية يصيبها الضوء بشكل دائم ومن هذه الزيتونة يأتي الزيت الصافي الذي يكاد لصفائه يضيء من دون أن تمسه النار فإذا مسته النار أشرق نوره وتألق، وهذا نور على نور، أي نور المصباح والزجاجة والزيت فهي عدة أنوار مجتمعة في شيء واحد، والله تعالى يهدي من يشاء إلى هذا النور، وبعد ذكر مثل نور الله ذكر القرآن أموراً تتصل بهذا النور فقال سبحانه(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) والمراد بالبيوت هنا المساجد، ورفعها يعني بناءها وإعمارها بالذكر والعبادة لأن المساجد بيوت لعبادة الله وكسب الأجر والثواب فلا يجوز أن نحول مساجدنا إلى مسجد ضرار بل تجب المحافظة عليها من كل ما يمسها أو يقلل من هيبتها وقدسيتها، والذين يتركون الأعمال في أوقات الصلوات ويتوجهون إلى عبادة الله في بيوته لعلمهم بأن العبادة في بيت الله أعظم أجراً وثواباً وأكثر بركة وقدسية هؤلاء الذين أشار الله إليهم بقوله(رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) فهؤلاء يقدمون عبادة الله على كل شيء لأنهم يخافون عذابه وغضبه في يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار.
وفي ذلك اليوم العظيم سوف يجزيهم ربهم بأحسن مما كانوا يعملون إذ سوف يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار وإلى ذلك يشير سبحانه بقوله(لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) أما الذين ألهتهم الدنيا عن ذكر الله فليس لهم يوم القيامة سوى السوء والعذاب وفيهم قال تعالى(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ)
الشيخ علي فقيه



