
الإِرْتِبَاطُ الْوَثِيقُ بَيْنَ الدعَاءِ وَشَهْرِ رَمَضَان
قال الله في محكم كتابه (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)
قبل الدخول في صلب الموضوع وبيان المعاني العامة والخاصة التي اشتملت عليها هذه الآية الكريمة تجدر بنا الإشارة إلى أمر هو في غاية الأهمية بالنسبة لمفاهيم وآداب هذا الشهر المبارك الذي فضله الله على سائر الشهور، والأمر المشار إليه بهذا الكلام يكشف لنا عن مدى العلاقة والإرتباط بين مفهومي الدعاء وشهر رمضان وبين حقيقتيهما، خصوصاً وأن البعض يطلق على شهر رمضان عدة أسماء وصفات..من جملتها أنه شهر الدعاء، ولا غرابة في كونه شهر الدعاء لأن الداعي يبحث عن أقدس وقت في الزمن ويتوجه فيه نحو الله سبحانه وتعالى، لأن الدعاء في الأوقات المقدسة يكون أسرع إجابةً من الأوقات الأخرى، وأقدس وقت خلقه الله تعالى واختصه لنفسه من بين سائر الأوقات هو شهر رمضان، وبطبيعة الحال سوف يجعل المؤمن من هذا الشهر ظرفاً لدعائه.
إذن.. إن شهر رمضان هو الوقت الأقدس والظرف الأسمى لعملية التواصل بين العبد وربه فاستحق هذا الشهر أن يكون شهر الدعاء بجدارة.
وهنا تظهر روعة القرآن مجدداً فإن هذه الآية المباركة(وإذا سألك..) لو ذكرت في غير هذا الموضع لما استفيد منها وجود علاقة بين الدعاء والشهر العظيم ولكن حكمة الله جل وعلا اقتضت أن تكون هذه الآية موجودة في هذا الموضع بين الآيات الحاكية عن الصيام ليكون ذلك علامة على وجود تلك العلقة بينهما وليُجعَل من شهر رمضان شهر تواصل مستمر مع الله سبحانه وتعالى.
وقبل البدء بالحديث عن مفهوم الدعاء وآدابه وعوامل الإستجابة وموانعها ينبغي أن نشير إلى عدة جهات تتعلق بمضمون هذه الآية مباشرة.
الجهة الأولى: وهي تشير إلى ثلاثة أمور:
الأمر الأول:
قُرْبُ اللهِ تَعَالى مِنَ الإِنْسَان.
هذا الإله العظيم والكبير الذي يحول بين المرء وقلبه هو موجود فينا وحولنا وفوقنا وفي كل مكان وجهة وفي القلب والروح والنفس والعقل وهو أقرب إلينا من حبل الوريد أي أنه أقرب لأنفسنا من قربنا لأنفسنا.
وفي الفقرة الأولى من الآية الشريفة يوجد كشف عن هذه الحقيقة حقيقة قرب الله من الإنسان(وإذا سألك عبادي عني فإني قريب)
والسؤال المطروح في هذه الآية له وجهان: وجه عام ووجه خاص.
أما الوجه العام فإنه إذا سألك الناس عن أي شيء يتعلق بالله فأخبرهم بأن الله قريب، وأما الوجه الخاص فهو سؤال الناس عن الله تجاه الإستجابة.
ولعل هذا السؤال منحصر في موضوع المسألة، والذين يطرحون هذا السؤال على النبي وربما على غيره أيضاً هم من أهل اليأس الذين يرتكبون ما يمنع عنهم الإجابة وهم يعترضون عند عدم استجابة دعائهم، لماذا لا يستجيب الله لنا؟ لأننا ندعو شيئاً لا نعرفه أو لا نطيعه، وقد ورد جواب على مثل هذا السؤال في أجوبة بعض المعصومين(ع) حيث قال للسائلين: لأنكم تدعون من لا تعرفون:
إن الله قريب أكثر مما نتصور، وهو يريد أن يستجيب لنا بشرط أن نسلك السبيل الصحيح لمسألة الدعاء.
هذا بالنسبة للأمر الأول من الجهة الأولى التي تشير إليها الآية الكريمة.
الأمر الثاني:
نَتِيجَةُ السُؤَالِ وَالدعَاء
قال تعالى(أجيب دعوة الداعي) فإلله عز وجل لا يدعونا إلى الدعاء ويمنعنا الإجابة فهو عز وجل أجل من ذلك وأعلى وأعظم، وقد أشار مولانا زين العابدين(ع) إلى هذه الحقيقة في الدعاء الذي رواه عنه أبو حمزة الثمالي، وذلك في عدة فقرات:
الفقرة الأولى: الحمد لله الذي أدعوه فيجيبني وإن كنت بطيئاً حين يدعوني:
يجب على كل مؤمن أن يشكر ربه ويحمده على تلك الدعوة وعلى الإجابة السريعة، وهذه الفقرة تشير إلى معنى الآية موضع بحثنا والمعنى المشار إليه هو السؤال والإجابة.
الفقرة الثانية: الحمد لله الذي أسأله فيعطيني وإن كنت بخيلاً حين يستقرضني:
الفقرة الثالثة: الحمد لله الذي أناديه كلما شئت لحاجتي.
الفقرة الرابعة: الحمد لله الذي لا أدعو غيره ولو دعوت غيره لم يستجب دعائي:
الفقرة الخامسة: وهي الأساس في هذا البحث، وهي قوله(ع) وليس من صفاتك يا سيدي أن تأمر بالسؤال وتمنع العطية وأنت المنان بالعطيات على أهل مملكتك:
وجميع هذه العبارات تشير إلى موضوع الإجابة حيث أكد الله سبحانه على هذا الأمر في محكم كتابه(وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي)
الأمر الثالث:
شَرْطُ الإِسْتِجَابَة
وهو أمر دقيق للغاية، ينبغي على كل مشير له أن يكون واضحاً في كلامه ومتنبهاً للشرح كيلا يحمل السامع كلامه على غير الوجه المطلوب، فقد أشارت الآية الكريمة إلى هذا الأمر بالطريقة القرآنية الرائعة التي يحتاج فهمها إلى دراسة وتأمل حيث يقول سبحانه(أجيب دعوة الداعي إذا دعان)
والمتأمل الواعي عندما يمر على هذه الآية الكريمة يسأل نفسه أو غيره عن سبب ذكر هذا القيد المعبّر عنه بقوله(إذا دعان) فلماذا لم تقتصر الآية على مجرد بيان أن الله تعالى يجب دعوة الداعي، لماذا لم يسكت القرآن عن هذا القيد(إذا دعان)؟
هذا سؤال وجيه، وعلى كل عاقل أن يطرح هذا السؤال حول هذه الآية وما يشبهها من الآيات، وإن لهذا الأمر علاقة وثيقة ومتينة بالأمر الأول الذي ذكرناه في البداية وهو الرد على من يسأل لماذا لم يستجب الله لي؟
والجواب على هذا السؤال هو أن الله تعالى يستجيب لمن دعاه بالطرق الموضوعة للدعاء، ولا يستجيب لمن يدعو غيره أو يدعو الإسم من دون المعنى، أو لمن يدعو وهو لا يترقب الإجابة ولا ينتظرها ولا يتأمل بحلولها.
وهنا يجب أن نبين الحكمة من وراء القيد المذكور، وهو أن الله تعالى قد وعد الداعي الإجابة إذا دعا ربه مخلصاً وصادقاً وكان دعاؤه صادراً عن قلب سليم ونفس زكية وروح طاهرة.
فإذا حمل الدعاء هذه الصفات استحق داعيه الإجابة لأنه هو الطريقة المطلوبة في الدعاء ولأجل ذلك قال تعالى(إذا دعان) أي بهذه الشروط والمقدمات.
أما إذا كان الدعاء نابعاً من اللسان فقط فهو لقلقة وليس دعاءاً حتى يستحق صاحبه الإجابة.
ففي المسألة شرط وجزاء، الشرط هو الصدق والإخلاص في التوجه نحو الله أثناء الدعاء، والجزاء هو الإستجابة الحتمية من قبل الله جل وعلا.
ورد عن النبي(ص) أنه قال: قال الله: ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أسباب السموات وأسباب الأرض من دونه فإن سألني لم أعطه وإن دعاني لم أجبه، وما من مخلوق يعتصم بي دون خلقي إلا ضمنت السموات والأرض رزقه فإن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته وإن استغفرني غفرت له.
وقال(ص) إفزعوا إلى الله في حوائجكم والجئوا إليه في ملماتكم وتضرعوا إليه وادعوه فإن الدعاء مخ العبادة، وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب له…
ما نفهمه من خلال هذين الحديثين أن الذي يدعو ولا يستجاب له إنما يوجد خلل في دعائه يجب البحث عن هذا الخلل وتسويته وإلا فلن يستجاب له ولو قضى جلّ حياته بالدعاء.
الجهة الثانية:
بعد أن أشار القرآن الكريم إلى موضوع الدعاء وكون الله مستجيباً له إذا صدر بالطرق الصحيحة راح يوجّه لنا أمراً بالتوجه نحو الله والإشتغال بالدعاء الذي هو سلاح الأنبياء والمؤمنين حيث قال(فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي)
والإنسان من دون تواصل مع ربه ومن دون دعاء لا قيمة لوجوده في هذه الحياة(قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم)
يعني لولا الدعاء لما نظر الله إليكم بعين الرأفة والرحمة، ولكان الإنسان في هذه الحياة مجرد عدد زائد.
(فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي) هنا يوجد أمران مهمان يجب التوقف عندهما لنخرج من هذه الآية بنتيجة مرضية.
الأمرالأول:
فَحْوَى الإِسْتِجَابَة
ما هو فحوى قوله(فليستجيبوا لي) وبماذا ينبغي أن نستجيب، وكيف تكون تلك الإجابة؟ وما هو الشيئ الذي يجب علينا أن نستجيب له؟ هل هو الدعاء فقط؟ لأن قوله(فليستجيبوا لي) ورد ضمن آية تتحدث عن الدعاء؟ أم أن الأمر أشمل من ذلك؟
هذه تساؤلات طبيعية، أي أنه من الطبيعي على كل إنسان أن يسأل عن حقيقة تلك الإستجابة ليعرف تكليفه الموجه إليه من خالقه ويعرف كيف يتصرف تجاه مولاه كيلا يقع في المحظورات.
نحن نقول لا يمكن حصر الآيات في مورد خاص بل ينبغي النظر إليها على أنها عامة وشاملة، وموضوع الدعوة إلى الإستجابة لا يمكن حصره في مسألة الدعاء بل هو الإستجابة إلى كل ما يدعونا ربنا إليه من أوامر ونواه.
ويمكن أن يكون المراد منها هنا هو الدعاء أي الإلتزام بهذا النهج النبوي والإيماني الكبير، والدعاء هو مفتاح الخير للإنسان في الدنيا والآخرة.
وعلى الإنسان أن يستجيب لهذه الدعوة ويدعو ربه بالليل والنهار سراً وعلانية، والله تعالى يحب أن يسمع صوت عبده المؤمن.
الأمر الثاني:
الدَعْوَةُ إِلَى الإِيمَان
وهو الذي أشار إليه قوله تعالى(وليؤمنوا بي) فلماذا دعاهم إلى الإيمان به وهم مؤمنون به؟
نحن نقول إن هذه الدعوة إلى الإيمان إنما هي دعوة خاصة فهي ليست دعوة إلى الإيمان بوجود الله ووحدانيته فإن الداعي لو لم يكن مؤمناً بهاتين لما دعا الله، إن الدعوة إلى الإيمان في الآية ليست دعوة إلى الإيمان بالله بل إلى كون الله تعالى قريب ويجيب دعوة الداعي.
يقول صاحب الميزان: في تفسير هذه الآية: إن الله تعالى قريب من عباده لا يحول بينه وبين دعائهم شيء وهو ذو عناية بهم وبما يسألونه منه فهو يدعوهم إلى دعائه فليستجيبوا له في هذه الدعوة وليؤمنوا به في هذا النعت وليوقنوا بأنه قريب مجيب.
الجهة الثالثة: وهي بيان بعض الثمار الناتجة عن الإلتزام بالدعاء.
قال تعالى(لعلهم يرشدون) لعلهم إذا تواصلوا مع الله تعالى منّ عليهم بالرشد والصواب في هذه الحياة الذي هو مقدمة للنجاة في يوم الحساب.
ولعل أسلوب بيان الآية هنا بشكل إحتمالي غير جازم هو أن كثيراً من الناس لا يسألون الله بالطريق المطلوب. فإذا لم يسألوا ربهم بطريق جدي وخالص لوجهه الكريم فليس لهم من الرشد شيء.
الشيخ علي فقيه



