مَفَاهِيْمُ الْصيَامِ

مَفَاهيمُ الصِيَام

كَيْفَ نَزَلَ الْقُرْآنُ الْكَرِيْمُ

 

كَيْفَ نَزَلَ الْقُرْآنُ الْكَرِيْمُ

 

إن البحث في كيفية نزول القرآن هو من البحوث التي اختلف الناس فيها فمنهم من ذهب إلى كونه نزل دفعة واحدة مستدلاً على ذلك بأدلة خاصة، ومنهم من التزم كونه نزل تدريجاً، ومنهم من ذهب إلى رأي يجمع بين أدلة الرأيين السابقين.

ولو رجعنا إلى الكتاب العزيز للنظر فيه ما يقول حول عملية النزول لوجدنا نوعين من الآيات التي تشير إلى هذه الحقيقة، ومن خلال هذين النوعين من الآيات نشأ الرأيان السابقان.

النوع الأول: وهو الآيات التي وردت بلفظ (نزل) و(أنزل) أو (أُنزل) مما يفيد النزول الدفعي.

النوع الثاني: وهو الآيات التي وردت بلفظ (نزّل)

ولا بأس بإلقاء نظرة على تلك الآيات ثم نبين لكم الرأي السديد حول عملية نزول الآيات.

بالنسبة للنوع الأول قال تعالى: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)

وقال تعالى(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ)

وقال(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)

وأما بالنسبة للنوع الثاني فقد قال تعالى(وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا  وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً)

فهذان نوعان من الآيات التي نزلت للحديث عن كيفية نزول القرآن الكريم.

إن لفظ(نزل) و(أنزل) يستفاد منه النزول الدفعي، أي أنه أنزله على النبي دفعة واحدة، ويدلنا على ذلك بصريح القول قوله تعالى(إنا أنزلناه في ليلة القدر) وقوله(إنا أنزلناه في ليلة مباركة) أي أن القرآن كله نزل على النبي في ليلة واحدة وهذا يشير إلى النزول الدفعي ولا إشكال في هذا المعنى، ولكن الإشكال وقع في حقيقة هذا النزول الدفعي.

هل أنزل الله تعالى إلى نبيه في ليلة القدر ما يزيد على ستة آلاف آية وقد تلاها عليه جبرائيل مرة واحدة، هذا ما لم يؤيده كثير من العلماء الذين يذهبون إلى كون الذي نزل على النبي في ليلة القدر إنما هو المعاني العامة والإجمالية أو الفكرة العامة عن القرآن الكريم.

وقد تُعارَض هذه الفكرة بأن القرآن الكريم بدأ نزوله في شهر رجب عندما كان النبي جالساً في الغار وأتاه جبرائيل بأول آيات إقرأ، فكيف يكون نزل في ليلة القدر مع أن أول آيات سمعها النبي إنما كان ذلك في شهر رجب وليس في شهر رمضان الذي قال الله فيه(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن)

ويمكن حل هذه المسألة عبر تقديم بعض الآراء والمقترحات حول هذه الفكرة.

أولاً: لا يجب أن نلتزم بأن القرآن أول ما نزل فقد نزل على النبي(ص) فهناك بعض الآراء تقول بأن القرآن الكريم نزل في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، أما مسألة كيف وأين فهذا أمر نرده إلى الله عز وجل الذي إن شاء بيّن أو شاء أخفى، والذي أمرنا بأن نسكت عمّا سكت عنه كيلا نكلف أنفسنا.

ثانياً: إن جميع الآيات التي تحدثت عن نزول القرآن الكريم في ليلة القدر لم تشر إلى كونه نزل على رسول الله(ص) في تلك الليلة، قال تعالى(إنا أنزلناه في ليلة القدر) ولم يقل على رسول الله.

ثالثاً: يمكن أن نقول بأن أنوار القرآن الكريم قد أدخلها الله تعالى إلى قلب رسوله في تلك الليلة المباركة.

رابعاً: يمكن أن يكون هذا النزول قديماً أي قبل أن يخلق الله الإنسان على الأرض لأن الآيات الحاكية عن النزل وردت عامة ولم تخصص نزوله في ليلة القدر بوقت محدد.

فالآيات الوادردة في لفظ أنزل الدال على الدفعة الواحدة لم تشر إلى الكيفية، وهذا ما ينبغي السكوت عنه كيلا نقع في إشكالات معقدة حول هذا الأمر القابل للأخذ والرد.

ينبغي أولاً وآخراً أن نرد الأمور إلى الله عز وجل كيلا نخطئ في تصوراتنا واستنتاجاتنا وإلا يمكن لنا طرح عدة أسئلة حول عملية النزول ولم نجد حتى الآن تفسيراً واضحاً لها.

منها: كيف يمكن أن يقول الله لنبيه لقد أنزلنا عليك أو إليك الكتاب وما زال هناك العديد من الآيات لم تدون بعد.

فعندما قال الله لنبيه(هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) لم يكن قد اكتمل النزول، فهل هناك كتاب آخر؟ أم أن هناك تفسيراً لتلك التعابير بمعنى أن النزول التام واقع لا محالة ولأجل ذلك أخبر الله رسوله بأنه أنزل إليه الكتاب باعتبار ما سوف يكون؟

أم أن النزول قد حصل قبل ذلك بطريقة معينة، وهو الأفضل، لأننا لو اعتمدنا غير هذه الفكرة لما وجدنا حلاً لمثل هذه الأسئلة التي طرحناها.

نأتي الآن إلى النوع الثاني من الآيات التي تتحدث عن النزل التدريجي مع بيان السبب في نزوله تدريجاً وهو قوله تعالى(وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً)

أي أننا أنزلنا القرآن بالتدريج حتى يسهل على الناس حفظه وفهم معانيه.

وفي هذه الآية إشارتان على النزول التدريجي:

الإشارة الأولى: لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ

الإشارة الثانية: وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً

وقد ذكرنا لكم بأن لفظ نزّل بالتشديد يدل على التدريج.

ويؤيد هذا الرأي أن القرآن الكريم إنما نزل تبعاً للأحداث والوقائع.

وهنا نقول: لو كان القرآن نزل بالتفصيل على النبي(ص) فلماذا كان ينتظر النبي نزول الوحي عليه في كثير من الموارد من قبيل سؤال المشركين له عن جنس الله وشكله فانتظر حتى نزل جبرائيل عليه حاملاً معه سورة التوحيد، فإذا كان التفصيل موجوداً عند النبي فلا داعي من انتظار الوحي لأن النبي لا شك سوف يضع الأمور في مواضعها.

وقد جمع البعض بين هذين النوعين من الآيات فقال: لقد نزل القرآن دفعة واحدة إلى السماء الدنيا ثم بعد ذلك راح ينزل شيئاً فشيئاً تبعاً للحوادث والوقائع.

وعلى كل حال ما عرفناه فقد عرفناه وما لم نعرفه نرده إلى الله تعالى، وليس بالضرورة أن نعرف كل شيء لأن الله تعالى لم يعرّفنا على كل شيئاً مشيراً إلى ذلك بقوله(وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) وهناك أمور صدرت عن النبي والمعصومين ولكنها لم تصل إلينا بسبب الموانع والمراحل الصعبة التي مرّ بها المؤمنون عبر التاريخ.

النقطة الثالثة: ويشار إليها بقوله عز وجل(هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان)

وهذه صفة من صفات القرآن الكريم حيث وردت هذه الصفة بعد قوله تعالى(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن)

أما قوله تعالى(هدى للناس) فإنه يشير إلى الوظيفة الأساسية للقرآن الكريم الذي أنزله الله تبارك وتعالى من أجل هداية البشر ونقلهم من الظلمات إلى النور.

ومن خلال بيان هذه الوظيفة للقرآن يمكن لنا أن نرد على بعض آراء الناس وممارساتهم حول القرآن الكريم الذي استعملوه في غير الجهة التي أنزل من أجلها.

وهذا ما يستدعي البحث حول بيان عظمة القرآن ومميزاته فإن الحديث عن تلك الخصوصيات يكشف لنا عن الوظائف الأساسية منه، فالقرآن الكريم ليس له وظيفة واحدة فقط بل عدة وظائف كلها تصب في خانة بعيدة عن أهواء الذين استعملوا القرآن في غير ما أنزل له.

وقبل كل شيء يجب علينا أن نشير إلى تلك الوظائف القرآنية الكبرى التي كان بعضها أساسياً والبعض الآخر نعتبره ثانوياً أو فرعياً.

 

الوظيفة الأولى: هداية الناس.

القرآن الكريم كتاب هداية ووعظ وإرشاد وتوجيه نحو الخير، وهو كتاب البشارة والإنذار وهي الوظائف الأساسية التي نزل القرآن من أجلها، وقد أشار إلى هذه الوظائف بقوله(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا)

وقال تعالى(وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ  نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ  عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ)

إذن.. الوظيفة الأولى للقرآن هي هداية البشر وتعليمهم وتوجيههم نحو الخير أو نحو ما يجلبون به الخير لأنفسهم في الدنيا والآخرة.

 

الوظيفة الثانية: فتح المجالات العلمية العامة أمام الباحثين وأهل الإختصاصات.

ولا أحد يشك بأن للقرآن الكريم أدواراً بارزة في توجيه الناس إلى ما لم يكن بالحسبان كمسألة الصعود إلى الفضاء المشار إليها في سورة الرحمن، وموضوع الغوص في أعماق البحار واكتشاف أسرارها واستخراج خيراتها التي لا تعد ولا تحصى، وقد أشار القرآن الكريم إلى إمكانية هذا الأمر عبر سور عديدة.

 

الوظيفة الثالثة: الدعوة إلى الإستفادة من التاريخ.

ونلاحظ بأن أكثر الآيات الكريمة هي عبارة عن سرد تاريخي لأهم أحداث الحياة عبر آلاف السنين، فلقد انتقى القرآن أهم المحطات التي تصلح لأن تكون دروساً وعبراً للبشر فذكرها بشكل مميز وإن مسألة اهتمام القرآن بالتاريخ يدعو ضمنياً إلى دراسة التاريخ الذي هو المختبر الأكبر للإنسان في جميع مجالات حياته لأنه الظرف الأكبر للأحداث والتجارب.

وقد ركز النبي وآله(ص) على مسألة الإهتمام بالتاريخ لما يحمل معه من الفوائد الجمة والتعاليم الكبرى والمواعظ والعبر التي لا تعد ولا تحصى.

الوظيفة الرابعة: إمتحان الناس بالقرآن.

لقد أنزل الله تعالى هذا الكتاب الكريم ليختبر به إيمان العباد ويميز به المؤمن عن غير المؤمن ويرى من يتبع هذا النهج القويم ومن يتخلف عن هذا الصراط المستقيم ليجزي كل واحد منهم بحسب عمله.

 

الوظيفة الخامسة: نشر البركة وفتح مجالات كثيرة لاكتساب الأجر والثواب.

وجميع المؤمنين يدركون بأن تلاوة القرآن فيها ثواب لا يعلم قدره وحجمه سوى الله سبحانه وتعالى وهو من أعظم أسباب الرحمة للعباد، ثم إن في القرآن منفعة للجسد والروح وذلك عن طريق التبرك والإستشفاء بقراءة القرآن كما يصنع كثير من المؤمنين الذين يلجؤون في بعض شؤونهم الخاصة إلى القرآن الكريم.

وهناك العديد من الوظائف الأخرى لهذا الدستور الإعجازي الأكبر يطول البحث بتعدادها.

إذن.. هذه بعض وظائف القرآن الكريم، ولكننا نجد بأن كثيراً من الناس استعملوا القرآن في مجالات لا تلتقي معه وبالخصوص المجالات التي حرمتها الشريعة الإسلامية كالتبصير والتنجيم فإن هناك كثيراً من أصحاب الأهواء المختلفة قد تغطوا بالقرآن وتاجروا به وأوهموا الناس صحة ما يقومون به من التنجيم من خلال تلاوة بعض الآيات في تلك الوظيفة الشنيعة، وهم مصداق للحديث القائل: كم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه:

القرآن يلعن المنجمين والمبصرين الذين نزلوا بالقرآن إلى مستوى وضيع لا يليق به ولا ينسجم مع أية جهة تعنيه أو تخصه.

الله تعالى أنزل القرآن من أجل هداية البشر وهؤلاء يضللون الناس عن طريق التستر بالقرآن وهم أعداء هذا الكتاب المنير لأنهم لو كانوا من أهل القرآن لاستعملوه في الجهة التي نزل من أجلها.

هناك تجاوزات كثيرة تحصل باسم القرآن وهي تلقى ترحيباً من قبل بعض المسلمين الذين جهلوا واقع القرآن، ومن تلك التجاوزات استعمال القرآن في عملية الكشف عن بعض السرقات مثلاً عبر ربط القرآن في حبل وربط الحبل في مفتاح فمن توجه القرآن نحوه بعد أن يدور لمرات عديدة يكون هو السارق، وهذا أمر حقير للغاية يظلم به كثير من الأبرياء.

وقد وقعنا في إشكالات كثيرة تجاه تلك الممارسات وخصوصاً عندما نبيّن للناس حرمة ما يسمى بالتطليع أو المطلع الذي يكذب على الناس ويفتح القرآن على سورة معينة فيقول للرجل أو المرأة فلان كتب لك ليكره زوجتك بك أو يكره زوجكِ بكِ، وهكذا من الأمور الكاذبة التي ما أنزل الله بها من سلطان.

هناك العديد من أصحاب العقول المحدودة قد نفروا من القرآن عندما علموا بأن بعض أحبائهم قد نفروا منهم عبر الكتيبة التي لا واقع لها في الوجود سوى لدى المكذبين الذين يستعملون هذه الممارسات لأغراض خاصة ومصالح ذاتية.

ونسمع الحجج والتبريرات من الذين كُذِب عليهم من المنجمين الذين يوهمون الناس بأنهم صادقون ولا يريدون سوى الأجر والثواب لأنهم لا يأخذون منهم المال، صحيح.. هم لا يأخذون المال ولكنهم يأخذون ما هو أهم من المال.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى