
شَهْرُ رَمَضَانَ سَيّدُ الْشهُورِ
ينقسم الزمن إلى زمنين، أحدهما خاصٌّ بالخالق سبحانه، وثانيهما خاص بالمخلوقات، أما الأول: فلا يعلم أحد من الخلق عنه شيئاً لأننا عندما أطلقنا عليه لفظ الزمن فلقد أطلقناه تسامحاً لأن هناك فارقاً كبيراً بين هذين النوعين من الزمن، ويمكن القول بأن هناك أكثر من فارق بينهما، فالزمن الخاص بالخالق سبحانه لا يرتبط بأنظمة مادية كما يرتبط زمن الإنسان بمسألة الحياة والموت فإن زمن الإنسان يبدأ عند ولادته أو عند انعقاد النطفة التي تكوّن منها، ولا يرتبط زمن الخالق بالتوقيت الذي نعهده نحن المخلوقين، ولا يرتبط ببداية ولا بنهاية، ومن هنا فقد عبّرنا عنه بالزمن الخاص بالخالق عز وجل، وللمثال على ذلك نقول: إن الله تعالى حيٌّ، وكذا الإنسان فإنه حيٌّ، غير أنّ هناك فرقاً بين حياة الخالق وحياة المخلوق، فإن حياة الخالق لا تُأَطَّر بزمن بسبب أزليَّتها، ولكنّ حياة المخلوق مخلوقة وموهوبة من قبل الخالق عز وجل الذي هو مصدر الحياة، فعندما نقول(حياةُ خالق) يتبادر إلى ذهننا تلك الحياة الخاصة التي لا توصف بالبداية ولا بالنهاية بل بالأزلية والأبدية غير الموهوبتين، وعندما نقول(حياة مخلوق) ينتقل إلى أذهاننا معنى البداية والنهاية الموهوبتين ممن لا بداية له ولا نهاية.
لقد بدأ الزمن المخلوق منذ أن أوجد الله عز وجل خلْقَه، أي في زمان لا يعلمه إلا الله تعالى الذي لم يُطْلِع عباده على كثير من الحقائق والتفاصيل لعدم طاقتهم على استيعابها.
فعند طَلَب التعرُّف على أية حقيقة من حقائق هذا الوجود ينبغي أن ننطلق من خلال الميزان القرآني الموضوع لهذا المَنحى وهو قوله تعالى(وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) إذ لا يستطيع الإنسان بقدراته العقلية المحدودة أن يصل إلى معرفة كل شيء وإدراك جميع التفاصيل، فلو كان في معرفة هذه المَخفيات مصلحة مباشِرة للإنسان لمكّننا الله تعالى من الوصول إليها، ولكن عندما لم تتوقف المصلحة على معرفتها، وعندما لم نكن قادرين على استيعابها فلقد حدَّ الخالق من بيانها كيلا ننشغل عن الأهم بالمهم أو بما ليس مهماً.
هناك أمور كثيرة كانت مجهولة وما زالت مجهولة حتى هذا الزمان وستبقى كذلك إلى يوم القيامة لأن الإرادة الإلهية ترى عدم المصلحة في بيانها، وهذا ما نعبّر عنه بخصوصيات الله عز وجل.
ولقد أشار القرآن الكريم إلى مسألة الزمن وارتباطه بالشمس والقمر مما يؤكد لنا كون الزمن في هذه الدنيا مختلفاً عن زمن ما بعد هذه الحياة لأن الأيام هناك لا تقاس بطلوع الشمس وغروبها ولا بولادة القمر وأُفوله حيث لا شمس هناك ولا قمر، أما الآيات التي أشارت إلى هذه الحقائق فهي كثيرة، منها: قوله تعالى(يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ)
ومنها قوله سبحانه(تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)
ومنها(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ)
ومنها(وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)
الشيخ علي فقيه



