
حَقِيْقَةُ الإِنْسَانُ
إنّ حقيقة الإنسان من الحقائق الوجودية الهامة والعامة، ونقصد بالعامة أنها ترتبط بكل من اتصف بالإنسانية وإن أنكر هذا الإنسان كثيراً من الحقائق الوجودية كوجود الله تعالى، فإنه بإمكانه أن يُنكر وجود ربه، ولكن ليس بإمكانه أن يُنكر وجود نفسه لأنه موجود بالفعل.
وبناءاً عليه كانت هذه الحقيقة من أهم الحقائق الثابتة التي لا يشك بها أحد، وكانت منطلَقاً لإثبات الكثير من الحقائق الأخرى.
فالذي يؤمن بوجود نفسه فإن عنده القابلية لتقبّل أية حقيقة أخرى، ولهذا كان باستطاعتنا أن نستثمر إيمان الإنسان بحقيقة وجوده لتكون مساعداً لنا على إثبات الحق.
والمؤمنون بهذه الحقيقة يختلفون بسبب إيمانهم بها ويتفقون في نفس الإيمان بها، فإن الإيمان بهذه الحقيقة نسبته واحدة بين الجميع، ولكن الذي يختلفون فيه هو الطرق التي أوصلتهم إلى الإيمان بها، فمنهم من آمن بها عن طريق الفطرة التكوينية، وآخرون آمنوا بها عن طريق العقل.
ولهذا كان البحث حول هذه الحقيقة من أمهات المسائل العلمية التي نالت اهتمام كل طالبٍ للعلم.
واللافت في الأمر أن الإيمان بهذه الحقيقة(حقيقة الوجود) مشترك بين العقلاء وغيرهم من أصناف المخلوقات الحية المتحركة بالإرادة ولكن الفرق بينهما هو أن العاقل يعبّر عنها بعقله ويعمل على تطويرها، أما غير العاقل فيعبّر عنها بالغريزة المودعة فيه.
فأمامنا حقيقتان يجب البحث عنهما بدقة، حقيقة الوجود، وحقيقة الإنسان.
أما الأولى فتشترك بين كل حي حساس متحرك بالإرادة، وأما الثانية فهي خاصة بالإنسان، فإن الإنسان بفطرته يربط بين حقيقة الوجود وحقيقة نفسه حتى يصل إلى نتيجة واضحة.
أما حقيقة الوجود فهي تشمل كل موجود، سواء كان واجب الوجود أو ممكن الوجود، وسواء كان الموجود حياً أم جامداً، ولذا نجد رب العالمين تبارك وتعالى استعمل بعض الموجودات للدلالة على نفسه وقدرته ولإثبات الحق وتصديق الرسل، فذكر العديد من الحقائق الوجودية كالسماء والأرض والجبال والحيوانات والماء كما في قوله الكريم(أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)
كما وأمرنا بالنظر إلى أنفسنا والتأمل في خلقنا وتسويتنا ليدلنا على الحق بما هو موجود فينا وحولنا.
قال تعالى في سورة الإنفطار(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ)
فإذا نالت هذه الحقيقة عناية الإنسان كان عاقلاً وإلا فهو معاند.
فمهما تبحّر المرء في طلب العلم وكشف أسرار الكون وكان جاهلاً بحقيقة وجوده أو الهدف من إيجاده فهو جاهلٌ لأن معرفة النفس هي أم المعارف الإنسانية، وهي النافذة التي يعبر من خلالها إلى باقي المعارف.
وما أخذتني الدهشة حياله هو أن بعض أصحاب الأدمغة الجبارة، وبعض عمالقة العلم الحديث يسجدون لبقرة يصادفونها أو ينحنون أما صنم صنعته أيديهم، فأية قيمة لتلك المعارف التي يمتلكونها؟
ويدفعنا هذا الشيء إلى التركيز التام على جملة من الحقائق حتى تكون حججاً بليغة لمثل هؤلاء العلماء بالمظهر الجهلاء بالجوهر، ومن أهم الحقائق كما ذكرتُ آنفاً حقيقة الإنسان(أهم مخلوق في الوجود)
فتارةً ننظر إلى الإنسان بما هو هيكل خارجي له حيّز معيّن وصورة محددة، وتارة ننظر إلى ما هو أعمق من ذلك فننظر إلى العقل والروح والنفس والمشاعر وما إلى ذلك من الخصوصيات القلبية، وثالثة ننظر إلى كونه مركّباً من كلا الأمرين، وهو الأصح لأن خروج الروح من الجسد لا تعني نفي الإنسانية عنه.
فالإنسان هو هذا المخلوق المميز بتراكيبه المادية والمعنوية، والذي خُلق كل ما في الوجود لأجله بحيث أصبح محور هذا الوجود.
وهذه العظمة في الخلق والدقة في الصنع لها ثمن كبير عند رب العالمين، وهو حق طاعة المولى، فإذا أدرك الإنسان حقيقة نفسه وجب عليه أن يعبد ربه، ومن دون عبادة الخالق سبحانه لا قيمة لأي شيء في هذا الوجود مهما كان كبيراً.
الشيخ علي فقيه



