
مِئَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعُشْرُوْنَ أَلْفَ نَبِي
إنه رقمٌ ضخم وعددٌ هائل بالنسبة إلى الأنبياء الذين ذكر القرآن الكريم أسماءهم وبيّن جملة من أحوالهم وأشار إلى نبذة عن تواريخهم وكان عددهم خمسة وعشرين نبياً، هم: آدم وإدريس ونوح وهود وإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف ويونس وصالح وذو الكفل وإلياس ويحيى وزكريا وداود وسليمان وأيوب وشعيب وموسى وهارون ولوط واليسع وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين.
وهو عدد كبير نظراً للزمن الفاصل بين أول الأنبياء(آدم) وخاتمهم(ص) والذي يزيد قليلاً على عشرة آلاف سنة أو ينقص قليلاً عن هذا الرقم.
فموضوع وجود أنبياء غير الذين ذُكروا في القرآن الكريم هو أمرٌ مسلَّمٌ به وذلك لقوله تعالى(وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) وهنا كلام هامٌ حول أبعاد هذه الآية المباركة.
فهل هي ناظرة إلى الذين ذُكرت أساؤهم في القرآن وقد نزلت في زمن لم يكن الحديث عن الأنبياء قد اكتمل نزوله؟ أم أنّ المراد بها هم الخمسة وعشرون نبياً، ومن لم يقصصهم على النبي هم باقي العدد التام والذي هو مئة وأربعة وعشرون ألفاً؟
أما بالنسبة للسؤال الأول فإن المفسرين لم يتبنوا هذا الرأي وأن الذين لم يذكر الله أسماءهم لم يذكرها فيما بعد وأن المراد بهم غير الذين وردت أسماؤهم، ومن جهة ثانية حتى لو لم يكن حين نزول هذه الآية قد اكتمل النزول فإن الله تعالى عندما أنزل القرآن على خاتم أنبيائه قد أنزله على قلبه دفعة واحدة، وبهذا تكون الآية ناظرة إلى الجميع وأنه فعلاً يوجد كثير من الأنبياء لم يحدّث القرآن عنهم.
إن هذا الأمر كان معلوماً لدى النبي(ص) منذ اليوم الأول من بعثته الشريفة، وقد كانت كل تعاليم القرآن لفظاً أو معنى أو كلاهما موجود في قلب الرسول بدليل قوله تعالى(وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) وبهذا يتضح لدينا أن الذين قصّهم الله تعالى على رسوله هم تمام العدد الذي ورد في القرآن الكريم، أي خمسة وعشرون نبياً بما فيهم خاتمهم(ص).
إذاً.. هناك أنبياء لم يأت القرآن على ذكر أسمائهم فضلاً عن ذكر أحوالهم، وإذا كان القرآن قد سكت عن هذا الأمر فمن أين عرفنا أنه يوجد مئة وأربعة وعشرون ألف نبي؟
لقد تعرّفنا على ذلك من رسول الله محمد(ص) الذي أخبرنا القرآن عنه بأنه لا ينطق إلا بوحي من الله تعالى، وقد أمرنا الله عز وجل بالأخذ عن رسوله وغن لم يكن الصادر عنه قرآناً، فإنه وإن لم يكن قرآناً إلا أن معناه من القرآن، وقد خفي الكثير عنا من كتاب الله العزيز، وحكم هذه القضية حكم أية قضية أخرة قد أُوْكِلَ أمر بيانها إلى الرسول(ص)، فلقد أمرنا الله عز وجل بالصلاة ولكنه لم يُشر إلى كيفيتها وأعدادها وعدد ركعات كل صلاة منها، والذي بيّن لنا تلك التفاصيل هو الرسول الأكرم(ص) الذي قال الله في شأنه(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)
وأمام هذا الواقع ترِد علينا جملة من التساؤلات.
منها: هل أن عدم ذكرهم وذكر أحوالهم فيه انتقاص من شأنهم أو أن الذين وردت أسماؤهم كانوا أفضل ممن لم ترد أسماؤهم؟
نجيب على هذا السؤال بالتالي: لا يوجد دليل واضح يدل على كون المذكورة أسماؤهم في القرآن أفضل ممن لم تُذكر أسماؤهم فيه، ولا يحق لنا أن نستنتج هذه الفكرة من عملية الذكر وعدمه، فإن الله تعالى هو الأعلم بما يصلح ذكره للناس عبر الزمن وبما لا يُستفاد من ذكره.
ومنها: هل أن أحوال مَن لم تُذكر أسماؤهم مشابهة تماماً لأحوال المذكورين في القرآن؟
نقول: ليس بالضرورة أن تكون أحوال أولئك مشابهة تماماً لأحوال هؤلاء، فلا بد أن يكون هناك اختلاف ولو في طريقة التعاطي مع الناس أو طريقة تعاطي الناس معهم، ثم إن المذكورين في القرآن قد تشابهت أحوالهم مع بعضهم البعض من حيث التبليغ والمعاناة التي لاقوها من المعاندين، ومن حيث وضع العراقيل في طرق الدعوة، ومن حيث طلب الإعجاز أو من حيث اتهام الأنبياء بالكذب والجنون والسحر أو من حيث محاولات التخلص من هذا النبي أو ذاك.
ونقول أيضاً: لعل الأحداث التي جرت مع المذكورين تنفعنا مباشرة لأن التاريخ يعيد نفسه ولأن العراقيل هي هي، ولأن الأهداف هلى حالها، وقد علم الله تعالى أن البشرية سوف تستفيد من تجارب المذكورين فقط فقدّم ذكرهم على ذكر غيرهم ممن استفادت منهم الأمم السابقة دوننا.
واللافت في الأمر هنا هو أن بعض الأنبياء الذين وردت أسماؤهم في القرآن قد اقتصر القرآن على ذكر أسمائهم فقط وأنهم من الصالحين كذي الكفل واليسع وإدريس(ع)، ومن هنا ندرك بأن عدم ذكر من لم يذكرهم لا يتعلق بمسألة الإستفادة من تجاربهم أو عدم الإستفادة، وإنما يتعلق بأمر غيبي أو أمر تكتيكي من الله تعالى.
ولعل ذِكر مَن وردت أسماؤهم مع عدم الحديث عن أحوال بعضهم كذي الكفل واليسع يمكن أن نستفيد منه أمراً، وهو أن الله تعالى قد فعل ذلك من أجل أن يربط بين الأحقاب الزمنية فاختار من كل حقبة واحداً وذكَرَه من باب الترابط بين الرسالات والرسل.
ومنها: لماذا لم يذكر القرآن الكريم أسماءهم من باب التأكيد على وجودهم أو معرفة أعم العموميات عنهم؟
نقول: لقد كان غعجاز القرآن الكريم بإيجازه، ولا يصعب على الخالق سبحانه أن يُنزل مثل القرآن آلافاً مؤلفة، كيف يكون ذلك وقد وصف الله كلامه بقوله(قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا){الكهف/109} وقوله(وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ){لقمان/27} فلو أراد القرآن الكريم أن يذكر أسماء جميع الأنبياء لخرج بذلك عن رونقه وروعته وإعجازه، في حين أن أهم الأمور لم يذكرها سوى بشكل مختصَر كالصلاة والصوم والحج.
ومنها: إذا كان الله تعالى قد بعث من الأنبياء بهذا المقدار الكبير في غضون أقل من عشرة آلاف سنة معنى ذلك أنه قد بعث نبياً للناس كل أسبوعين، في حين أن بعض الأنبياء قد تجاوز عمره الألف سنة فكيف يمكن أن نبيّن حقيقة هذا الأمر؟
إن هذا السؤال قليل الطرح والتداول، ولا أدري ما هو السبب في ذلك، مع أنه سؤال في غاية الأهمية، ولبيان حقيقة الأمر أقول: إن الله تعالى أرسل الآلاف من الأنبياء وجعل لكل واحد منهم دوراً وحدد له مهمته، فلقد كان مهمة بعضهم الإعتناء بأفراد معدودين أو بقرية واحدة أو مدينة واحدة أو إقليم، ومنهم من كانت رسالته على مستوى العالَم كله كأولي العزم(ع)، فلقد كان تعالى يبعث في وقت واحد أكثر من نبي، ولربما اجتمع في نفس الوقت مئات منهم، ولم يبعثهم على نحو التعاقب، ففي ومن إبراهيم(ع) كان هناك إسماعيل ولوط وربما غيرهما، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المسألة حيث يقول(وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِين){العنكبوت31/32}
وفي زمن يحيى كان هناك زكريا، وفي زمن داود كان هناك سليمان، وفي زمن موسى كان هناك هارون وشعيب، وفي زمن يوسف كان هناك يعقوب.
الشيخ علي فقيه



