محاضرات

الإنسان بين العقل والشهوة

حقيقة الإنسان

حقيقة الإنسان

الإنسان هو ذلك المخلوق الذي انطوى فيه العالَم الأكبر، وهو أعمق سر من أسرار هذا الوجود الذي خلقه الله من أجل الإنسان، وهذه من جملة الحقائق التي يجهلها أكثر الناس الذين يجب عليهم أن يعلموا بأن كل ما تضمّنه هذا الكون من مخلوقات حية وجامدة قريبة وبعيدة معلومة ومجهولة إنما وُجدت من أجل هذا الإنسان الذي يهمل نفسه ولا يعبأ بها ولا يهتم بشؤونها الحالية والمستقبلية على مستوى الدنيا والآخرة.
والإنسان هو قطب رحى الحياة التي وجدت من أجل البشر، إذ لولا وجود البشر فيها لانتفت أكثر المفاهيم والمعاني والمبادئ الخاصة بالحياة الشاملة لبني البشر.
والإنسان هو المخلوق المميز بمظهره وجوهره عن باقي الموجودات، وهو الموجود المكرَّم والمفضّل على كثير من المخلوقين، وهذا ما أشير إليه بصريح القول في سورة الإسراء(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)
وهو المخلوق الذي كان وما زال محور الخطابات الإلهية، وهو شرف كبير للعبد الذي يوجّه إليه ربه تلك التكاليف حيث جعله موضعاً للإختبار في هذه الحياة.
وهو المخلوق الذي يذكّره ربه بأصل وجوده وتكوينه حتى لا يتجبر ولا يتكبر ولا يخرج عن الخطوط المرسومة له فيرتكب الأخطاء ويقع في الحرام، وليعلم بأنه المخلوق الضعيف الفقير إلى الله والمحتاج إليه وأنه خلق من ماء مهين فقال تعالى(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)
والإنسان هو صاحب تلك الروح التي قال الله فيها(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)
وهو صاحب النفس التي جعلها الله تعالى مورداً للقسم في كتابه العزيز حيث يقول(ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها)
وهو صاحب العقل الذي قال الله في شأنه، كما ورد في الحديث القدسي :وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أعظم منك فبك أُعرف وبك أُعبد وبك الثواب وبك العقاب.
وهو صاحب تلك المشاعر الخاصة والأحاسيس المميزة كالحب والبغض والفرح والحزن، وهو صاحب القوى الخفية كالفطرة التي تشد الإنسان نحو خالقه وترشده إليه وتدله عليه.
وهو مجمع القوى المتناحرة فيما بينها، وصاحب القوى الرحمانية والشيطانية في آن واحد، فهو القادر على أن يستعمل أية قوة شاء في أي وقت من الأوقات.
وهو المخلوق القادر على أن يرتقي ويصل إلى أعلى مراتب الكمال البشري وإلى قمم الفضائل ومكارم الأخلاق من خلال سلوكه الحسن، وهو القادر على أن يبلغ درجة تغبطه عليها الملائكة، وهو المخلوق الذي يستطيع أن ينزل إلى أوضع المراتب وأحط المستويات بحيث يغبط الحيوانات على مستواها التي هي عليه.
لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم وأعطاه صورته الرائعة وشكله التام وظاهره الجميل، وفيه قال تعالى(يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركّبك) وفيه قال أيضاً(اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) وقال علي(ع) في صفة خلق الإنسان: ثم جمع سبحانه من حَزنِ الأرض وسهلها وعذبها وسَبَخِها تربة سنّها بالماء حتى خَلَصَت ولاطها بالبلة حتى لَزَبت فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول وأعضاء وفصول أجمدها حتى استمسكت وأصلدها حتى صلصلت لوقت معدود وأمد معلوم ثم نفخ فيها من روحه فَمَثُلَت إنساناً ذا أذهان يجيلها وفِكَر يتصرف بها وجوارح يختدمها وأدوات يُقلّبها ومعرفة يَفرق بها بين الحق والباطل والأذواق والمشام والألوان والأجناس:
وهو المخلوق الذي وجّه إليه ربه أوامره ونواهيه ليجزيه بالخير خيراً وبالشر شراً.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى