
مثَلُ ضَعْف الإنسان
كثير من الناس يعيشون في وهم دائم وظلام من أمرهم دامس لم يعرفوا الحقيقة ولم يبحثوا عنها، وإن عرفوها فسوف يتجاهلونها لأن معرفتها يفرض عليهم الإذعان بالصدق والإقرار بالحق والإعتراف بالحقيقة التي لا تُنكر، فهم لا يريدون ذلك حيث استحبوا الكفر على الإيمان والضلال على الهدى وآثروا الدنيا مع علمهم بزوالها على الآخرة مع اعتقادهم ببقائها، ولكننا ماذا نصنع بقلوب جعلت أمرها بيد الشيطان الرجيم، وملّكته جميع قواها ووضعت في تصرفه كل إمكانياتها.
ورغم علم الإنسان بضعفه وحدود قدراته وفقره إلى الخالق القدير نراه غارقاً في أوهامه مستمراً في طغيانه مصراً على جبروته يظن أن لن يقدر عليه أحد فهو يريد أن يتفرد بالقرارات ويفرض على غيره آراءه ومقترحاته كتلك الدول العظمى التي ركبها الغرور وسيطر عليها الوهم فهي تمتلك الأسلحة المدمرة والسموم الفتاكة والرؤوس النووية القاتلة التي تهدد بها العالَم وهي أول متضرر من استعمال تلك الرؤوس التي لن تفرق بين صانعها وغيره ولا بين مالكها وغيره فإن انفجرت فسوف تسمم الأرض وتقضي على ملايين الأرواح، ونرى تلك الدول تصنع ما تشاء وتفعل ما تريد فلا يقف في طريقها أحد ولا يمنعها أحد من تنفيذ أهدافها.
هؤلاء يفكرون بطريقة ونفكر نحن بطريقة أخرى، فهم يعتمدون على أسلحتهم القابلة للزوال وبطلان المفعول أما نحن فلنا جهة أقوى من جميع البشر نلجأ إليها فهي القادرة على تغيير الأمور وتبديل الأوضاع وهي ربنا وخالقنا تبارك وتعالى القادر على أن يفني تلك القوى بلحظة واحدة بطوفان صغير أو زلزال بسيط أو حدث آخر لم يكن بالحسبان، لقد طغوا وتكبروا وتغطرسوا ونسوا قدرة الله عليهم رغم الكوارث التي تحل بهم، وهذا الإنسان مهما كان قوياً أو غنياً فإذا جاء أمر الله ذهب ماله وضعفت قوته بلحظة واحدة كما صنع الله تعالى مع نموذجين كبيرين من هذا النوع فرعون وقارون فلقد كان فرعون وجنوده بمثابة دولة عظمى في أيامنا الحالية ورغم ذلك فلقد أغرقه الله على يد شخص كانوا يظنونه ضعيفاً ولكنه استمد القوة من الأقوى فانتصر على الظالمين والمتغطرسين، ونحن نقول لجميع الدول العظمى فكروا في المستقبل الذي قد لا يكون من مصلحتكم واعلموا بأنه لو دامت لغيركم لما وصلت إليكم ولن تدوم لك فإن أسباب الزوال كثيرة يجب أن تحسبوا لها ألف حساب، وقد ضرب الله لنا مثلاً أظهر لنا من خلاله ضعف الإنسان الذي يتكبر ويتعجرف ويظن بأنه لن يقدر عليه أحد، ألم يُقتل النمرود بن كنعان ذلك الظالم المتكبر على يد حشرة صغيرة دخلت في أنفه أو أذنه فأهلكته؟… قال تعالى في سورة الحج(يَا أَيُّهَا النَّاسُ) لاحظوا بأنه لم يخصص الكلام لفئة دون أخرى ولم يستثن من الأمر أحداً(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) أنت أيها الإنسان يا من تملك الأسلحة الفتاكة وتسيطر على جزء كبير من الكرة الأرضية أنت أضعف مخلوق في الوجود فهل تستطيع أنت وأسلحتك وقوتك كلها أن تسترجع حبة سكّر تسلبها منك الذبابة؟ فإذا استطعت أن تلتقطها وتشقها وتخرج تلك الحبة فلن تجد في داخلها شيئاً لأنه بمجرد دخول المادة إلى جوف الذباب يتحول من مادة إلى مادة أخرى مباينة للمادة الأولى، وإذا احتجت إلى نقطة دم مقدار رأس الإبرة فهل يستطيع العالم برمته أن يصنع نقطة من الدم، وإذا امتعت الأرض بأمر الله عن أن تخرج لكم الزرع فهل تستطيعون بكل إمكانياتكم وطاقاتكم وخبراتكم وخبرائكم أن تخرجوا نبتة بالقوة والإكراه إذا عطّل الله نظام الزراعة؟ وهنا يعطينا ربنا العبرة لنتفكر ونتدبر ونرجع إلى الصواب فأخبرنا بأن الطالب وهو الإنسان والمطلوب وهي تلك الحشرة كلانا ضعيف لا يقدر على شيء.
فكيف تكون أيها الإنسان قوياً وأمرك بيد غيرك؟ ولذا يقول أمير المؤمنين(ع) مسكين ابن آدم تقتله الشرقة: ….. وقد وجّه الله لهم عتاباً فيه الوعيد لمن خالف ربه وأصر على الكفر فقال سبحانه(مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).
الشيخ علي فقيه



