
أَكْلُ الربَا
لقد نصَّ القرآن المجيد وكلام أهل العصمة(ع) على أن أكل الربا من كبائر المحرمات عند الله عز وجل، ويمكن الإستدلال على ذلك بقوله تعالى(وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) بعد نهيه تعالى لنا عن أكل الربا في قوله الكريم(لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً) وكذا يدلنا على عظيم هذا الجرم قوله(ص) : شَرُّ الكسب كسب الربا:
تَعْرِيفُ الربَا
الربا قسمان: قسمٌ يكون في المعاملة، وقسم يكون في القرض، أما الربا في المعاملة: فهو بيعُ أحد المِثْلَين بالآخر مع زيادة عينية في أحدهما، كم يبيع مئة كيلو من الحنطة بمئة وعشرين منها، ويُشترَط في تَحقُّق الربا في المعاملة أمران:
الأمر الأول: إتحاد الجِنس والذات عُرفاً وإن اختلفت الصفات، فلا يجوز بيع مئة كيلو من الحنطة الجيدة بمئة وعشرين من الحنطة الرديئة، أما إذا اختلفت الذات فلا بأس حينئذ بالزيادة، وذلك كمن يبيع مئة كيلو من الحنطة بمئة وعشرين كيلو من العدس مثلاً.
الأمر الثاني: أن يكون كلٌّ من العِوَضَين من المَكِيل أو الموزون، فإذا كان مما يُباع بالعدِّ كالبيض والجوز فلا بأس عند ذلك بالزيادة، كأن تبيع بيضة ببيضتين أو جوزة بجوزتين.
التحْذِيرُ مِنَ التعَامُلِ الربَوي
لكون الربا من كبائر الذنوب، ولكونه يحمل الكثير من المفاسد الدنيوية الأخروية فلقد حذّرنا الله تعالى من التعامل به كيلا نخسر بذلك كل شيء.
لقد جاءت التحذيرات من أكل الربا واضحة وشديدة في كتاب الله العزيز وعلى ألسنة النبي وآله(ص) فلقد قال تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) وهنا بيان واضح لنتيجة الربا وهي النار التي أعدها الله عز وجل لتعذيب الكفار، وكأنه تعالى في هذه الآية الكريمة قد جعل آكل الربا والكافر في عرْضٍ واحد وذلك من خلال اتحاد نتيجتيهما في يوم القيامة.
وفي بيان قبح هذا السلوك المنهي عنه بشدة قال سبحانه(فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)
وفي بيان هذا الأمر قال رسول الله(ص) : شر الكسب كسب الربا: وقال(ص) : إن الله عز وجل لعن آكل الربا ومُوكلَه وكاتبه وشاهديه: وقال(ص) : الآخذ والمعطي سواء في الربا:
وقال(ص) : ليأتينّ على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا، فإن لم يأكله أصابه من غباره:
وقال الإمام الباقر(ع) : أخبث المكاسب كسب الربا:
وقال الإمام الرضا(ع) : إعلم يرحمك الله أن الربا حرامٌ سحتٌ من الكبائر، ومما قد وعد الله عليه النار فنعوذ بالله منها:
الحَالَةُ التِي يَكُونُ عَلَيْهَا المُرَابِي فِي يَوْمِ القِيَامَة
قد لا ينتهي المرابي من نهيك له وإن استعملت معه أكبر عدد ممكن من الأساليب، ولكنه قد يقنع ويتراجع عن الغي عندما تعظه بموعظة مؤثرة تُدخل الخوف على قلبه من خلال المصير الذي سيؤول إليه أمره بعد أن يفراق دار العمل ويدخل في مراحل الجزاء، بدءاً من القبر ومروراً بالبرزخ ووصولاً إلى اللحظة الحاسمة في يوم الحساب الأكبر.
فعندما تذكر له الحالة التي سوف يكون عليها في يوم القيامة، وهي حالة مأساوية بلا شك، فتكون بوادر القَبول منه أكبر وأسرع، ولأجل ذلك نلاحظ بأن القرآن الكريم قد استعمل أسلوبي الترغيب والترهيب في بيان كثير من الأحكام الإلهية، وذلك لِعِلم الله تعالى بما ينفع الناس أو بما ينتفعون به من الأساليب.
ففي بيان تلك الحالة الوخيمة قال تعالى(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
هؤلاء خالفوا حكم الله تعالى، وعملوا بالقياس المحرّم، وذلك عندما جعلوا المعاملات الربوية مثل المعاملات الشرعية الصحيحة، فاستخفّوا بحكم الله وهم يعلمون أن الربا حرام، ولكنهم تذرّعوا بهذا التشبيه لأن الربا مورد ربح وافر بالنسبة لهم، فلقد استخفّوا بحكم الله عز وجل في سبيل الحصول على المال وجمع الثروات ومنافسة الأغنياء.
فهؤلاء يقومون من قبورهم يوم المحشر وكأنهم يُضرَبون ضرباً شديداً من قبل الشيطان الرجيم، فيخرجون وهم على حالة تشبه الجنون والهيستيريا، وهو نوع من العقاب لهم.
فعندما قال المرابون: إن البيع مثل الربا: ردّ الله عليهم بقوله(وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) أي أن البيع شيء والربا شيء آخر، وإن كان هناك بعض وجوه المشابهة بينهما.
فقد ورد عن رسول الله(ص) أنه رأى ليلة أُسريَ به رجالاً بطونهم كالبيت الطَّحِم وهم على سابلة آل فرعون، فإذا أحسوا بهم قاموا ليعتزلوا عن طريقهم، فمالَ بكل واحد منهم بطنُه فيسقط حتى يطأهم آل فرعون مقبلين ومدبرين، فقلت لجبرئيل: من هؤلاء؟ قال: أكلة الربا:
وقال(ص) : أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيّات تُرى من خلرج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا:
وقال(ص) : يقوم آكل الربا من قبره مكتوبٌ بين عينيه :لا حجة له عند الله:
وقال(ص) : مَنْ أكل الربا ملأ الله عز وجل بطنه من نار جهنم بقدر ما أكل…
وقال الإمام الصادق(ع) : آكل الربا لا يخرج من الدنيا حتى يتخبطه الشيطان:
الشيخ علي فقيه



